محليات

خطيب عرفة: من الإحسان الإيمان بالله رباً ومعبوداً وقدر الله وقضائه لا محالة نافذ

أم المسلمين اليوم في مسجد نمرة بمشعر عرفات فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور بندر بليلة فقام فضيلته في خطبته بتذكير الناس بالتقوى والإحسان فقال : اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره تفوزوا الفوز العظيم وتفلحوا في دنياكم وأخراكم كما قال تعالى{وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} وقال تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} وقال تعالى {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.

وإن ما أمركم الله به الإحسان كما قال تعالى{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ} فيحسن العبد في عبادة الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) متفق عليه .

وأعظم ذلك الإحسان بالتوحيد وإفراد الله بالعبادة كما قال سبحانه {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.

ثم أكمل فضيلته خطبته بمقتضى الشهادة والإحسان فقال : وهذا مقتضى شهادة التوحيد لا إله إلا الله وقرينتها شهادة أن محمدا رسول الله فيطاع أمره ويصدق خبره ولا يعبد الله إلا بما جاء به لأن الله أكمل الدين فلا يحتاج إلى أن يزاد فيه بشيء من البدع قال تعالى في الآية التي نزلت يوم عرفة { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} .

ومن الإحسان في عبادة الله المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها كل يوم كما قال تعالى { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } وأداء الزكاة كما قال تعالى {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} .

ومن ذلك صوم رمضان كما قال تعالى {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ} وحج بيت الله الحرام كما قال تعالى { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} .

وأضاف فضيلته أن من إحسان الله إنزال كتبه فقال : ومن إحسانه – سبحانه- بالعباد أن أنزل إليهم الكتب وأرسل الرسل لهداية البشر كما أنزل كتابه العظيم القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} وقال تعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ } ومما أمر به الإنسان أن يحسن إلى مخلوقات الله بأنواع الإحسان {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} فيحسن الإنسان لكل من له به صلة قال تعالى {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا }.

ومن الإحسان تربية الأبناء والسعي في الترابط والتكافل الاجتماعي ؛ فيحسن الزوج إلى زوجته ومطلقته وتحسن الزوجة لزوجها قال تعالى {مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} .

وأمر الشرع بالإحسان في التعامل مع الضعفاء واليتامى قال تعالى {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وأمر الشرع المسلم بالإحسان إلى من يعمل معه من الموظفين والعمال والرفق بهم والوفاء بالشروط المبرمة في عقود العمل قال تعالى{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم لا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم) متفق عليه.

وتحدث فضيلته في خطبته عن الإحسان الى البلاد والعباد والحيوان فقال : ومن الإحسان السعي إلى سلامة العباد واستقرار البلاد وتمكين الناس من أداء مهامهم وأعمالهم مع صيانة دمائهم وأموالهم، والالتزام بالأنظمة، وطاعة ولاة الأمور في غير معصية مما يقتضي حفظ الحقوق ، وترك ما يؤدي إلى الفتن ، وتحريم إيذاء الآخرين، والمنع من تغذية الإرهاب، والنهي عن الإفساد في الأرض.

ويصل إحسان المسلم إلى البهائم والجمادات كما قال صلى الله عليه وسلم ((إن الله كتب الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)) وكما قال صلى الله عليه وسلم (( في كل كبد رطبة أجر)).

والمسلم حريص على أن ينال إحسانه البيئة بالحفاظ عليها وعدم الإفساد فيها ومن هنا ذم الله من يسعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد.

بل ويصل إحسان المسلم إلى المسلمين وغير المسلمين كما قال تعالى { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } ويصل إحسانك من بينك وبينه عداوة { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } .

ويشمل ذلك الإحسان في التعامل المالي قال تعالى { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً } ومن ذلك الإحسان في الدعوة إلى الله، قال تعالى { ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ } .

وذكر فضيلته في خطبته الناس بإن كفر الإحسان بإنكاره فقال : وان مما جاءت به الشريعة مقابلة من أحسن بالدعاء والثناء والاعتراف بالإحسان، ولذا ذم الإحسان بإنكاره، وعدم الإقرار به، وإن ممن أحسن إلى المسلمين قاطبة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان برعايتهم لأمر الحجيج وقيامهم على الحرمين الشريفين وسعيهم في حفظ الأمن فيهما وتوفير ما يحسن للحجاج والمعتمرين مع حرصهم على سلامة موسم الحج من أن يكون محلاً لانتشار الأمراض، أو أن يكون بؤرة للوباء والحرص على إقامة الشعيرة بشكل صحي يحقق متطلبات الوقاية والتباعد الاجتماعي تحقيقاً لمقاصد الشريعة في حفظ النفس، وامتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلاتدخلوها ، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها)) فجزاهما الله خير الجزاء وبارك فيهما وجعلهما الله من أسباب الخير والهدى والسعادة للناس اجمعين.

حجاج بيت الله الحرام أدوا مناسككم على وفق ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله: ((لتأخذوا عني مناسككم)) ولقول الله عزوجل { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ} فتكونوا بذلك ممن أحسن أداء الحج. وأكثروا في هذا الموطن الشريف من الدعاء لأنفسكم وقرابتكم، ولولاة البلاد وللمسلمين عموما، فإنه ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة)).

واختتم فضيلته خطبته بتذكير الناس بما فعله النبي – صلى الله عليه وسلم – من مناسك الحج فقال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرفة، ثم أذن بلال فأقام، وصلى الظهر مقصورة ركعتين، ثم أقام فصلى العصر مقصورة ركعتين، ثم وقف في عرفة على ناقته يذكر الله، ويدعوه فلما غرب قرص الشمس، سار إلى مزدلفة، وهو يقول: ((يا أيها الناس! عليكم بالسكينة والوقار)).

وحين وصل مزدلفة صلى المغرب ثلاثاً، والعشاء ركعتين جمعا وقصراً، وبات بمزدلفة ثم صلى الفجر بها في أول وقتها، ودعا الله إلى أن أسفرت ، وانطلق إلى منى فرمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس بسبع حصيات، وذبح هديه وحلق، بعد ذاك طاف طواف الإفاضة، وبقي في منى أيام التشريق يذكر الله، ويرمي الجمرات الثلاث بعد الزوال، يدعو عند الصغرى والوسطى ورخص لأهل الأعذار في ترك المبيت ، ومن سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المكث بمنى إلى يوم الثالث عشر وهو الأفضل ، وأجاز التعجل في الثاني عشر فلما فرغ من حجه طاف بالبيت قبيل سفره.

إعلان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً