كُتاب البوابة

التطوع مخرج طوارئ للأرواح المتعبة

اكلة فى دقيقتين

علي العبدلي

تبدأ الفلسفة الموضوعیة في أي عمل تطوعي، نظرًا لقیامنا بهذا العمل على الرغم من الظروف والمتغیرات البیئیة، حیث أن التأثیر الأكثر أھمیة للمتغیرات یأتي بفعل وعینا وفهمنا لدورنا في المجتمع، وینصبّ تفكیرنا على ممارسة بعض الأعمال، أو دور محدّد یفرضه وجودنا بین الجماعة والأفراد الذین نعیش معهم ، وقد یتحقق العمل التطوعي، بناءً على اكتسابنا لمستوى عالٍ من الإحساس بالولاء إلى مجتمعنا، فنحن نرى المتطوعین یتسابقون في منع الخطورة التي قد یتعرض لها المجتمع، كالأخطار الطبیعیة “الزلازل والبراكين”، أو الأخطار الإنسانیة “الحروب، وعدم إستقرار الأمن”.

كما أنَّ من المعلومات الثابتة لدینا، أنَّ المجتمع بجمیع اتجاهاته الاجتماعیة، الاقتصادیة، السیاسیة، الثقافیة ھو مجموعة لا تتجزأ إلا فقط للدراسة والبحث والتجرید العلمي، وھذه المعلومات تنبع وتقوم على حقائق أساسیة، وھي أنَّ الشخص یُعتبر “الخلیة الحیّة للمجتمع فهو كُلٌّ لا یتجزأ” عندما تذبل أرواحنا وتصل لمرحلة الجدب ولم یعد ھناك ما یسقیها لترتوي، عندما یجد الإنسان نفسه خاویة على عروشها، جاثمة على أنفاسه، عندما لا یستطیع أن یبعد القذى عن عینيه لیرى الضوء، لا یجد له وجهة خاصة ينتمي إليها ، یعیش بداومة التیه،
وھنا یبدأ بالبحث عن منفذ ومخرج طوارئ لتلك الروح التي بداخله متطوعًا لإنقاذھا وانتشالها من الاحتراق مبتدئًا برحلة التطوع لعلاجها من تلك الآثار التي ألمّت بھا فتراه تارةً یطبطب وتارةً أخرى یُعلل ،ثم یخرج للعالم بشخص مختلف ، شخص أخذ میثاقًا مع روحه أن یكون مخلصًا متطوعًا لإنقاذها وإنقاذ أرواح أخرى تتشابه بالسمات وتختلف معه بالمعاناة فیبدأ یمد ید العون لمن حوله لأنه یعرف تمامًا أنّ الجميع یحتاج لمنفذ ومنقذ متطوع یساھم في إصلاح الخراب داخله أو أن يدله على وسائل السلامة لكي یتعبھا وتسلم روحه .

الإنسان مجبول على فعل الخیر وتقدیم العون والمساعدة بغض النظر عن معتقدات كل شخص فینا ، والعمل التطوعي فطرة إنسانیة وفعل بشري غیر مقید بأحكام أو فروض ، وبما أنني خلية من ضمن خلايا ھذا المجتمع فیتحتم علي العمل حیال ما أنا مخلوق لأجله وأن أكون ذلك الشخص المساھم ولو بالشيء القلیل تجاه ھذه الأرض عامةً ومجتمعي خاصةً، لطالما تساءلت مرارًا … عن سر التكاتف واللحمة الوطنیة في وطني ؟ عن مبدأ العلاقات التراحمیة بین أفراد مجتمعي؟ فوجدت إجابة تتلخص حول سطر واحد (لأننا شعب یسمع ویلبي نداء الشخص الواحد) وھنا أیقنت أنَّ المساعدة وتلبیة نداء المستغیث والتطوع لنجدته یعود علینا بالحب والألفة وینتج عن ذلك مجمتع فعّال، الشخص فيه یرى أنه المقصود والمسؤول الأول بكل أمر طارئ یحتاج لتدخل فیقدم المساعدة تطوعًا منه ورغبة بل وبكل حب، ثقافة التطوع في المملكة العربية السعودیة أصبحت منتشرة وفعّالة ، وكلنا قرأ عن منصة العمل التطوعي التي هي جزء من رؤیة 2030 وتهدف إلى انضمام ملیون متطوع والمملكة حریصة جدًا على أن یتم التطوع بصور قانونیة لحفظ حقوق المتطوعین وأن تكون أعمالهم تابعة لجهات رسمية معترف بها ، فمن یجد لديه زيادة بالوقت أو المال لا یتأخر في تقديمه لمجتمعه، قد یقال ونسمع كثيرًا أن الجهات الحكومیة والمؤسسات تستطیع القیام بعملها دون الحاجة لمتطوعین، نعم صحیح نحن في دولة یسرت للجهات الحكومیة موارد ضخمة وتقوم بعملها على أكمل وجه ولكن أيضًا ھناك حالات طوارئ، حالات خارجة عن التخطیط كالكوارث والأزمات التي تحتاج فيها التدخل السریع من المتطوعین والعمل جانب الجهات المعنیة.

وللتطوع آثار ملموسة وقد عشت ھذه التجربة بنفسي وشعور انبلاج روح متجددة داخلي بعد كل عمل تطوعي أقوم به ، ولا شي يضاهي شعور تجدید الروح، كان التطوع كمرحلة علاج بالنسبة لي وبعد الإنقضاء منه ترسخت بعقلي معاني كثیرة وعلمت أني لن أحصل على السعادة المطلقة أبدًا وأن المنظور الحقیقي للسعادة یكمن في العطاء فأنت أولًا وأخیرًا تعطي ذاتك وتزید من فرص حصولك على أعلى مستوى من السعادة والراحة والرضى عن نفسك، حلقة الوصل بینك وبین روحك هي تغذیتھا بحبّ الخیر، حب مساعدة الغیر حب العمل التطوعي، لا تتوقف أبدًا عن العطاء فالخیر یثمر وإن تأخر ولكن تأكد طالما أنك زرعت فتحصل على الحصاد وأهم تلك المحصولات ھي الأثر الذي ستتركه خلفك فمن منا لا یسعى لیترك له أثر؟
‫﴿‬ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ ‫﴾‬

أخيرًا .. لا أعلم ھل طرحت ھذه الأفكار من قبل أم لا ، ولكن تبادرت لذھني بعض التساؤلات ؟
لماذا لا توجد لجنة مختصة بالأشخاص أصحاب المخالفات المروریة أو من عليهم إیقاف خدمات أو من المساجین للحق العام المعسرین وتهدف ھذه اللجنة لجعلھم یتطوعون بالمجالات التي یجیدونھا أو حتى تقوم بتدریبھم لغرض الإستفادة منهم مقابل إسقاط ما عليهم من مخالفات
وتكون ھنا الأطراف المستفیدة عدة ویعود ھذا على المجتمع بالنفع والفائدة وأیضًا ترسیخ مفهوم التطوع في المجتمع .

لايسعني في ختام مقالي ھذا إلا أن أشكر كل متطوع یسعى لإحداث تغییر وفارق بالمجتمع ، كل متطوع یعي تمامًا أنه مصدر للقوة وأصبح یقدمھا متطوعًا بشغف لذلك، لكل متطوع تثاقلت أقدامه ولكنه قام بسحبھا لیقف مجددًا بصلابة، أنا أنتمي للفئة التي تعطي بلا حدود للفئة التي تؤمن أنَّ لها شيء بالحیاة وتبحث عنه ساعیه
لكل المتطوعین أنتم أجندة الرحمة والسلام أنتم ھمم وطنیة نفخر بها.

إعلان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً