كُتاب البوابة

لـذّة الـبـلاء

اكلة فى دقيقتين

بين جنَبات رحمةِ الله، و بين شذراتِ خَيره، قد ينُير الله ظلامَ روحك ببلاء ، ليُعيدَ بهِ ما مات فيك ، ويزيدك عليه أجرًا ، فعندما يراك سُبحانهُ تائهاً يُرشدك ، وعندما يراك حائرًا يُلهمك، وربما يبتليك بشيء تراه أنت شرًا ومصيبة ويراه سبحانه جلّ في عُلاه خيرًا لك ؛ ليدلَّك على إيقاظ ذبولٍ حالَ في جَوفك وينير قلبك ويزيد من حسناتك بعد صبرك ، أتعجب من رحمة الله حتى بالبلاء ! لاتعجب من ذلك ، فالله حين يراك غارقًا في ملذّات الدُنيا، منغمساً بين لذاتها؛ يغار من حبك لها ويرشدك لطريقهِ المُنير ببلاءٍ قد تكرههُ و هو بعلمه أنّه لكَ خير .

يقول ابن الجوزي رحمهُ الله
” البلايا ضيوف فأحسِن قِراها حتى ترحل لدار الجزَاء مادحة ” فثمرات البلاء ستحصد أجرها عندما ترى جبالًا من الحسنات لاتعلم من أين أتت وكيف صارت وما هو السبب الذي جعلك تنال هذه الحسنات !! ستجثو على ركبتيك يوم الحِساب فرحًا بما رأيت ، وترى أعمالك التي عانيت فيها ، ستأتيك ثمرة صبرك على المصائب حاملة معها بإذن المولى كُل الأُجور و التعويض الرَّباني الذي يُنسيك ما قد أصابك وكأنَّك لم تبكِ قط ، فيا من أغرقتك المصاعب، و كرَّ عن ثغركَ التبسم وناء عن وجنتيك الأُنس و السَعد، وأرهق نفسك الهم والغم والكمد ، وجزعتَ من حالك المكظوم ؛ أما سمعت قول الله تعالى : ( إنّما يوفى الصابرون أجرهم بغيرِ حساب ) فقد أثنى الله على هؤلاء الذين اختبر إيمانهم فثبتوا وصبروا وصابروا، وقد تحروا الهداية من الله وقبلوها وعملوا بها، فكانت لهم المغفرة، ووعدهم الله بالفوز العظيم، وسيوفيهم أجورهم، ويعطيهم مدد بلا عدد ولا حساب ، فما أجملها من فرحة عندما تبحث عن معنى بين ثنايا ألمك وكلك يقين بأن أجرك سيزيد ، ومنزلتك ستَرتفع عند ربِّ العالمين ، ولا أعظم بلاءً مثل بلاء الأنبياء ولا أفضل صبرًا مثل صبر أيوب ، و لا همٍ كـهمِّ رسولنا الكريم الّذي رغم الأسباب ظلّ صابرًا محتسبا داعيًا المولى سُبحانه في كل وقت وحين .

تذكر أخي المسلم أنّه ما أخَر الله فرجًا إلا لحكمته وفيه خير لك ، ولا ينزل عليكَ بلاء إلا لك فيه خير ، فربُّ الخيرِ لا يأتي إلّا بخير . لا تضجر ولا تندب حظك وتمل وتقنط من رحمة الله ، فإن من حِكمته سبحانه أن يعطيك ما يصلح خراب حالك ، فقد يعطيك مالاً لأنه يعلم أنك ستسخرهُ لخلق الله ، وربما اختبرك بفقرٍ لتشكره وتقنع ، وربما ابتلاك ببلوة لأنه علم منك الصَبر ! و من البلاء ما يُهذّب رُوحك ويُعلّمكَ ما لم يُعلّمك إيّاه وأنت مُغدَقاً بالنِعم ، فلا يقع عليك الهم مما قد أصابك ولا تحزن عندما تسلك مسلكاً لا تَودُّه و لا تكظُم على أمرٍ فقدته ظنتته الأفضل لَك ، ربما الخير كُلّه فيما لا تهواهَ فالله لا يأخذ منك إلا ليعطيك و ما حرمك من شيءٍ إلّا ليعُوضك ، وما أصابك لم يكن ليُخطئك فلا تحزَن لأمرٍ مضى لم يأتي على ما ترجو وتريد ، إن الله يحكُم لا مُعقّب لحكمه وما يختارهُ هو خير لك .

يقولُ الشاعر بدر شاكر عن لذة الصبر :

لكَ الحـَمدُ مهما إستطالَ البـــلاء
ومهمــا استبـد الألـم
لكَ الحمدُ إن الرزايـا عطـــاء
وإن المَصيبــات بعض الكـَـــرَم
ألم تُعطني أنت هذا الظلام
وأعطيتني أنت هذا السّحر؟
فهل تشكر الأرض قطر المطر
وتغضب إن لم يجدها الغمام؟

فإذا كانت الشوكة التي تُشاكها تُجارُ عليها فكيف بندوب قلبِك ؟ وتذكر وصية النبي ﷺ لابن عباس حيث قال له ﷺ: يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

إعلان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً