محليات

إمام المسجد الحرام: الإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما تذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم

اكلة فى دقيقتين

أم المسلمين اليوم لصلاة الجمعة في المسجد الحرام معالي فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور صالح بن حميد فتحدث في خطبته الأولى عن تهذيب النفس والعمل للآخرة فقال : الدنيا تقطع بالأقدام ، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب .

وإن في النفوس ركونا إلى السهل والهينِّ، ونفوراً عن المكلِّف والشاق ، والحازم يرفع نفسه إلى معالي الأمور ، ويروضها حتى تألف جلائل المطالب ، و تطمح إلى أعالي الذرى ، حتى إذا ما عرفت العزة نفرت من الذل ، وإذا ذاقت لذة الروح استصغرت لذة الجسد .

والفكر لا يحد ، واللسان لا يصمت ، والجوارح لا تسكن ، فإن لم تُشْغل بالعظائم شُغِلت بالصغائر ، وإن لم تستعمل في الخير انصرفت إلى الشر.

فسبحان من أشهد بعض عباده جنته قبل لقائه ، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من رَوْحها ، ونسيمها ، وطيبها ، ما استفرغ قواهم بطلبها ، والمسابقة إليها .

حتى قال بعض السلف : إنه لتمر بي أوقات أقول : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب .
نعم – حفظكم الله – شتان بين من يُنْعِم بدنا ، ويُهْلِك قلبا ، ومن يُتْعِب بدنا ، ويُسْعِد قلبا : ( حُفَّتْ الجنةُ بالمكاره ، وحُفَّتْ النار بالشهوات).

ثم تحدث فضيلته عن حلاوة الإيمان فقال : يقول الحافظ بن رجب رحمه الله : الإيمان له حلاوة ، وطعم يذاق بالقلوب كما تذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم ، والإيمان هو غذاء القلوب وقُوتُها ، كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقُوتها ، والجسد يجد حلاوة الطعام والشراب عند صحته ، فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه ، بل قد يستحلى ما يضره ، فكذلك القلب يجد حلاوة الإيمان إذا سلم من مرض الأهواء المضلة و الشهوات المحرمة ، وإذا مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان ، بل يستحلى ما فيه هلاكه من الأهواء والبدع ، والمعاصي ، والمنكرات . انتهى كلامه رحمه الله .

ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات ، وتحمل المشقات في رضى الله عز وجل ورضى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإيثار ذلك على عرض الدنيا .

وحلاوة الإيمان ولذة العبادة هي راحة النفس ، وسعادة القلب ، وانشراح الصدر عند القيام بالمطلوبات الشرعية من كل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال ، والأفعال الظاهرة والباطنة .

وهي حلاوة تختلف من شخص إلى شخص ، ومن حال إلى حال ، ومن قوة وضعف ، وإقبال وإدبار .

فسبحان من فاوت بين الخلق في هممهم حتى ترى بين الهمتين أبعد ما بين المشرقين والمغربين .

حلاوة الإيمان – عباد الله – مفتاح الثبات على طاعة الله ، ولذة العبادة سر الصمود أمام الفتن .

أيها الاخوة : والقلب إذا خالطته بشاشة الإيمان ، وامتلأت البصيرة بنور الوحي ظهرت فيه هذه الحلاوة ، وبرزت فيه هذه السعادة .

وتحدث فضيلته عن لذة العمل الصالح فقال : لذات الدنيا مصحوبة بالمنغصات والمكدرات ، ولذة العمل الصالح خالصة .

ولذة العمل الصالح لا ملل فيها بل كلما زاد من العمل الصالح زادت اللذة والسعادة .

ولذة الدنيا قد تُفَوِّت على العبد لذة الآخرة ، ولذة العمل الصالح مدركة في الدنيا والآخرة .

أما الأسباب الجالبة لهذه الحلاوة ، فأولها وأهمها تزكية النفس وتطهيرها ، فمن شرب من إناء متسخ فلن يجد الحلاوة التي ينشدها ، ولو أنه نظفه وطهره ، ثم سكب فيه الماء فسوف يجد الحلاوة الكاملة ، والعذوبة التامة ، وكذلك القلب الذي تلبس بقاذورات المعاصي وأدران الخطايا ، وأوساخ الشهوات لا يجد حلاوة الإيمان إلا عندما يطهر وينظف .

وفي الحديث الصحيح : ( ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان : من عبد الله وحده ، وأن لا إله إلا هو ، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه ، وزكى نفسه ) .

وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها ) رواه مسلم .

ويقول بشر بن الحارث : ( لا يجد العبد حلاوة العبادة حتى يجعل بينه وبين الشهوات حائطا من حديد ) .

ثم تحدث فضيلته عن تزكية النفس فقال : وتكون التزكية بإقامة العبد فرائض الله باطنا وظاهرا ، ولزومِ السنة ، مستعينا بالله ، متبرئا من حوله وقوته ، وأول ذلك توحيد الله عز وجل ، والإخلاص له ، وصدق التوكل عليه ، والاعتماد عليه ، والاستعانة به ، مع محبته ودوام ذكره ، والسكون إليه ، والطمأنينة إليه ، وإفراده بالحب والخوف ، والرجاء والتوكل ، بحيث يكون سبحانه هو المستولي على هموم العبد ، وعزماته ، وإراداته ، وإنما تقر عين العبد بربه على حسب قربه من ربه عز وجل ، فمن قرت عينه بالله قرت منه كل عين ، ومن لم تقر عينه تقطعت نفسه عليه حسرات ، ومن تعلق قلبه بربه ، وجد لذةً في طاعته وامتثال أوامره ، لا تدانيها لذة .

ومن التزكية أن يجاهد العبد نفسه في التوبة من الذنوب ، ويكثر التوبة والاستغفار ، متبرئا من حوله وقوته ، سائلا ربه الإيمان والتوفيق والتسديد .

فإذا رأى انه لا ينشرح صدره ، ولا يحصل حلاوة الإيمان فليكثر التوبة والاستغفار ، ويلازم الاجتهاد بحسب الإمكان ، وبقدر الجهد الطاقة ، إن من اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض ثم بالنوافل قربه إليه حتى يرقى إلى درجة الإحسان فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه فيمتلئ قلبه بمعرفة الله ومحبته ، وعظمته ، وخدمته ، ومهابته ، وجلاله ، والأنس به ، والشوق إليه .

والعبد كلما ازداد عبودية الله وافتقاراً ازداد لنفسه ازدراء واحتقاراً ، وتعلَّق قلبه بربه وحده سبحانه ، ولهذا خاف من خاف من الصالحين النفاق على نفسه .

ويقول مطرف بن عبد الله بن الشخير : لأن أبيت نائما وأصبح نادماً ، أحب إلى أن أبيت قائما ، وأصبح معجبا ، فالمعجب لا يصعد له عمل ، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين الُمدِّلين .

وأحب القلوب إلى الله قلب قد تمكن منه الانكسار ، وملكه الافتقار ، فهو ناكس الرأس بين يدي ربه ، لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلا .

ومن الوسائل العظيمة الجالبة للذة والحلاوة : الدعاء فهو السلاح الذي لا ينبو ، وقد جاء في الحديث : ( وأسالك نعيما لا ينفذ ، وقرة عين لا تنقطع ) رواه أحمد .

وليكثر العبد من قراءة القرآن بالتدبر ، والتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ، ومداومة ذكر الله ، وإيثار محابه على محاب النفس عند غلبة الهوى ، ومشاهدة بره ، وإحسانه ، وإكرامه ، وإنعامه ، واغتنام وقت السحر ، ووقت النزول الإلهي ، ومجالسة الاخيار والصالحين .

ثم اختتم فضيلته خطبته الأولى بالحديث عن استجلاب حلاوة الإيمان فقال : ومن أعظم ما يستجلب به حلاوة الإيمان ولذة العبادة العناية التامة بأعمال القلوب ، وبخاصة المحبة والرضا ، وفي خبر الصحيحين : ثلاث من كن فيه وجد حلاة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يعود في النار ) .

والمحبة العظيمة تورث شوقا عظيما ، وأعظم لذة في الدنيا أن تشتاق لله كما أن أعظم لذة في الآخرة هي النظر إلى وجهه الكريم ، ، ولهذا جمع بينما النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه : ( وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم ، والشوق إلى لقائك ) ، رواه احمد والنسائي .

يقول بعض السلف : ( أطيب ما في الدنيا معرفة الله ومحبته ، وأطيب ما في الآخرة رؤيته ) .

وقال بعض الصالحين : مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها ، قيل له : وما أطيب ما فيها ؟ قال محبة الله ومعرفته وذكره .

ومن لوازم المحبة الرضا بالمحبوب والرضا عنه ، فذلك من أعظم مقامات الإيمان الذي بتحقيقه تحصل الحلاوة واللذة ، وفي الحديث الصحيح : ( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ) رواه مسلم.
والمحبة والرضا أعلى مراتب الإيمان .

ويصل العبد إلى مقام الرضا إذا التزم ما فيه رضى ربه ومولاه ، قال بعض السلف : ( الرضا باب الله الأعظم وهو مستراح العابدين).

وتحدث فضيلته في خطبته الثانية عن آثار حلاوة الإيمان فقال : أيها المسلمون ومن آثار حلاوة الإيمان ولذة العبادة : الثبات على دين الله فلا يزال العبد في أداء العبادات ، والإكثارِ من الأعمال الصالحات حتى تصير لذته في هذا الاجتهاد ، حتى تراه يشعر بالحسرة في ضياع شيء من وقته ، وفتوره في العبادة .

ومن الآثار كذلك : الرغبة في المزيد من الطاعة فتصير الصلاة قرة عينه ، والصيام متعته ، والذكر أنيسه ، والقرآن العظيم جليسه ، ومن اعظم آثار هذه الحلاوة :أن يحييه الله الحياة الطيبة .

فيكون من أطيب الناس عيشا ، وأشرحهم صدراً ، وأقواهم قلبا ، وأسَرهِّم نفسا ، تلوح نضرة النعيم على وجهه .

واختتم فضيلته خطبته الثانية عن موانع حصول لذة الإيمان فقال: وإذا كانت هذه هي حلاوة الإيمان ، وهذه أسباب تحصيلها ، وآثارها فاعلموا أن من موانع حصولها المعاصي والذنوب ، فإن المعاصي حجاب غليظ يمنع إدارك حلاوة الإيمان ، ولذة العبادة ، لما تورثه من قسوة وغلظة ، وجفاء ، حتى قال بعض السلف : ( ما ضرب الله عبداً بعقوبة أعظم من قسوة القلب ) .

فرب شخص أطلق بصره فحرم نور البصيرة ، أو أطلق لسانه فحرم صفاء القلب ، أو آثر شبهة في مطعم فأظلم صدره ، وحرم قيام الليل ولذة المناجاة .

وذكر ابن القيم رحمه الله : أن من عقوبة الذنب محو لذة الذكر ، والقراءة ، والدعاء ، والمناجاة .
وقد قال أهل العلم : أن أهل المعاصي والذنوب لا يجدون حلاوة العبادة ، ولا لذتها ، ولا يتنعمون بها ، فالعبادة ليست قرة أعينهم ، ولا سرور قلوبهم ، ولا غذاء أرواحهم وحياتهم .

ويقول ذو النون رحمه الله : وكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه ، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب .

إعلان
اظهر المزيد

البوابة

صحيفة البوابة الإلكترونية || الإعلام بمفهومه الجديد ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً