كُتاب البوابة

رحلة عبر الزمن

اكلة فى دقيقتين

البعض ممن تلتقيهم يحملون هم أزمنتهم بحب مهما كانت الظروف ، وأحد أولئك الذين التقيت به مرات عدة هو العم أحمد ، رجلٌ ترى تفاصيل الجهد والشقاء ورحلة الحياة في تقاسيمه المثقلة بها .
مرات اللقاء معه وبه وفي حضرته كثيرة جداً لكن اللقاء الذي جمعنا في آخر مرة التقيته فيها كان مختلفاً قليلاً ، ربما لأنه وجد وقتاً ليتحدث عن الأزمنة ويرسل التفاصيل ونستشعر الفارق ونحمد الله على النعم وفي مرة أخرى يجعلك في حيرة من أمرك لجميل وغريب ماتسمعه.
في كل قصة دروس وعبر ولعل حكايته التي قال فيها بلهجته التهامية المتجذرة (والله يامرّه إنا أفلحنا ضحى من شعب اللبن ولحقنا الصلاة في راس امشعف) .
هنا كان متحدثا عن تلك القصة من عشرات القصص اللتي كانت مماثلة (مرة) ، وكيف أنه استشهد بالوقت تبارك الله في ذاكرة لاتشيخ وإن كانت قرابة الثمانون عاما ، وحدد المكان الذي شهد رحلة الصعود والموت إلى باحة الحياة والرزق ، وكأن ذلك الرزق كان لابد وأن يبدأ بلذة الصلاة ؛ أي تراتيل تلك التي كان يلقيها هذا الشيخ المبتسم .
ثم انتهت به الرحلة إلى الشعف والتي تبدأ ب(الالف والميم /امشعف) كما تنطق في تهامة ولها أصل في اللغة الحميرية
ومن الويكيبديا في هذا الشأن ( معناها العجمة. يراد بها في اللغة قلب اللام ميما (في اللفظ)، أو إبدال اللام من الميم (في الكتابة)، وروي بها حديث ضعفه الألباني: «ليس من امبر امصيام في امسفر» أي «ليس من البر الصيام في السفر». و يقال لها طمطمانية حمير. وهي في الأصل تعود إلى مملكة حمير القديمة. فهي من الخصائص اللغوية للعربية الجنوبية التي نفذت إلى العربية.أنينة)
أعود إلى العم أحمد الذي لم تقف حكايته عند هذا الحد وحدثنا عن الركض نحو الحياة هرباً من الموت على قارعة الجوع في قصة انطلقت من بلاد (سفيان في تهامة بني شهر) نحو المجاردة وثربان وصحراء قاحلة حتى المظيلف مشياً وفي رفقة لكن الأجمل في حكايته هم أولئك الكرماء الذين ذكرهم (بدو ) ربما لصعوبة أمكنتهم ووعورتها والذين التقاهم بين حول يبه الوادي وذكر كرمهم كما يلي ( ومرة لقّيت الأحد وبها إلى المظيلف على رجلي (صمت قليلا) ولقيت بدوٍ حول يبه تبارك الله ياكرمٍ فيهن يقابلونك بفرشهن ويكرمونك على طريقك)
وهو يعني كيف كان ينوي سوق الأحد في ثربان ثم أخذته الخطى إلى المظيلف وهو طريق سفر بعيد جداً وصمت ! ثم تذكر قصة أولئك البدو وكيف يلتقون العابرين على طرقهم بكل مايملكونه ويكرمون في زمن الشح والفاقة .
تحدث عن يبه الوادي كيف كان يجري طوال السنة بماء دون انقطاع وكيف كان يقطعه المارّة إما حياة أو موت .
ولم يكتفِ بل كانت قصة الأخوان الذين كانا في رفقته إلى وجهة البحث هي الأقسى .حيث قال في جزئيتها الأقسى ( وصلنا إلى جبلن ثمّه وقال أخوه مريضن بيشاوي ويلحق ووطّيناه وعودنا له قد مات ) وهم أخوين كانا في ذات الطريق معه وتعب أحدهم وتركه أخوه ظنا منه أنه سيلحق بهم بعد أن يتعافى لكنهم عادوا إليه وقد ارتحل إلى ربه ..ربما الجوع وربما المرض وربما أن ذلك الجسد قد أنهك بما يكفي .
العم أحمد في رحلته تلك التي أخذني فيها عبر الزمن لم تكن الأولى لي معه أو مع كبار السن لكنها كانت الأولى بتنوعها وتفاصيلها ودروسها ولعلنا منها نقرأ التغير ونستشعر قيمة النعم ونتمسك ببعض تلك القيم الخالدة ونسعى نحو صناعة الحياة فانتظار الموت موت أكبر .

أخيراً:
وثّقوا تاريخكم واحفظوه . فربما يأتي جيل لايعرف قيمة النعم لكثرتها ..شكرا للعم أحمد سعيد.

إعلان
اظهر المزيد

albwaabh

صحيفة البوابة الإلكترونية || الإعلام بمفهومه الجديد ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً