في حديثي ذات مرةٍ مع إحدى الصديقات ذكرت لي بنظرةٍ مهمومة وابتسامةٍ هشةٍ عن قلقٍ يعتري نفسها كل ليلة ، وتفكيرٍ يأخذها إلى عالمٍ آخر وقالت بصوتٍ متلبسٍ بالقلق كيف أُصبحُ ذات منصبٍ عالٍ في المجتمع حاصلةً على أعلى الشهادات وأعملُ في قطاعٍ مختلف ويُنادى بإسمي ويُردد
بين أوساط المجتمع ، أو أن أصبح من أكبر التاجرات في بلدي و بحضوري تفسح المجالات لي وتُفتّح الأبواب ؟
قلت لها بكل هدوء أنتِ مصابةٌ بداءٍ يُدعى ( قلق السعي إلى المكانة ) .. وعليكِ أن تتخلصي من هذا القلق عاجلًا حتى لاينخر في شخصيتك وتصبحي في معزلٍ عن الناس والحياة ، فهذا القلق لايستحق أن نقدمه على راحة أنفسنا ؟
واسترسلتُ في حديثي معها حول هذا الداءِ البشع وذكرتُ لها أنّي قرأت كتابًا للمؤلف (آلان دو بوتون ) بعنوان قلق السعي إلى المكانة أشار فيه ( آلان ) إلى هذا القلق المميت بشكلٍ صامت ، قائلاً “ قلق المكانة قلق خبيث إلى حدٍ يجعله قادراً على إفساد مساحات شاسعة من حياتنا ، يساورنا خشية فشلنا في مُجاورة قيم النجاح التي وضعها مجتمعنا ، وخشية أن يتم تجريدنا نتيجةً لهذا الفشل من شرف المنزلةِ و الإعتبار .. ”
و يبقى الأمر الذي لا شك فيه أن تحقيق المكانة ليس بالأمر السهل عدا بعض المجتمعات التي تحدد مكانة الشخص منذ ولادته بل و الأصعب من ذلك خوضنا في رحلة الحياة للحفاظ على هذه المكانة ، فالأغلبية لا يكترثون لأمر المكانة ولا بأفعالهم حتى يبلغوا سناً محدداً بالرغم أنه من المفترض أن يتخذوا قراراتهم ومواقعهم في عالمهم بالسعي والمثابرة لأهدافهم وذلك من خلال وضع الخطط والسير على منهجية أهدافهم المرجوّة حتى لا يصبحوا غرقى في بحر هذا القلق مع تقدم الزمن ، وفي مقدمة هذه الأهداف أن تُحكَمَ حياة كل شخص بقصة واضحة المعالم ممزوجةً بالحب والجد والطموح ليس المقصد هُنا السعي للحصول على الحب من كل الناس لا ؛ ولكن المقصد محبة الوالدين والأصدقاء وتشجيعهم لك ووقوفهم بجانبك قد تكون طريقاً داعماً لك للوصول إلى المكانة المرجوّة دون قلق . فالبعد عن الغطرسة والغوص في وحل المثالية أمرٌ غير محمود حتى لا تشعر بمرارة التخلي من أشد الأشخاص قرباً عند وقوعك في منعطف الإفلاس الإجتماعي وغيره ، وعليه فإن النظر إلى نظرية الاعتماد المتبادل لايجعل وظيفة أقل من وظيفة من ناحية المكانة ، فعند النظر للفلاحين بنظرة المجتمع نجد أنهم أقل استحقاقاً بالمكانة وفي المقابل نجد أنه لولا هؤلاء الفلاحين لتزعزع التركيب الإجتماعي في المجتمع
فلا فلسفة ولا فن ولا سياسة استطاعت أن تتخلص تماماً من قلق المجتمع وسعيهم للمكانة ولكن في المقابل على الشخص أن يبدأ بتأسيس نفسه من الصغر ويُكوّنُ لها صورةً ذاتية له واضحة ومكتملة ليراه الآخرين فيها و أن يتقبل الإختلافات بين النجاح و الفشل والجيد و السيء وغيرها من المتناقضات في حياتِه .

