مع اقتراب رمضان، تتكاثر الجداول والخطط، وتُعلن البرامج والمبادرات. غير أن السؤال الأهم يظل سابقًا لكل ذلك: هل تهيّأ القلب؟ فالعبادة إن لم يسبقها إحياء داخلي، تحوّلت إلى عادة موسمية.

في سورة الأنعام (95–101) — من القرآن الكريم — لا يَرِدُ ذكر الصيام مباشرة، لكن تُرسَم ملامح التهيئة الحقيقية. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾؛ صورة تُذكّر بأن الحياة قد تخرج من جمادٍ ساكن. كذلك القلب، قد تثقله الخيبات أو يعتريه الفتور، لكن الذي يشقّ الحبّ قادر أن يشقّ القسوة. رمضان ليس شهر امتناعٍ فحسب، بل شهر انبعاث.

ويقول سبحانه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ… وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾؛ انتظامٌ كونيّ دقيق يشير بأن المواسم ليست صدفة في أعمارنا. قد يأتي رمضان جبرًا بعد كسر، أو بداية بعد تعثّر، أو استجابة لدعاء طال انتظاره. حضوره في هذا التوقيت من حياتك محسوبٌ في علم الله.

ثم يلفت إلى البوصلة: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾. في زمن الضجيج الرمضاني، لا تكون الهداية بكثرة الانشغال، بل بثبات الوجهة. ليس معيار الموسم عدد الختمات فحسب، بل مقدار الصدق والإخلاص. القرآن نجمٌ لا يضلّ، إن صَحَّ التعلّق به.

ويؤكد: ﴿أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾؛ فلا يدخل رمضان قلبٌ مثقل بخصومة أو متكبّر عن المسامحة. تخفيف الأثقال المعنوية شرطٌ لصفاء العبادة.

وفي قوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ دعوة إلى التأمل في الأثر لا في المظهر. الماء واحد، لكن الثمار مختلفة؛ والوحي واحد، وأثره يتفاوت بحسب القلوب. الثمرة المرجوّة ليست رقمًا، بل تحوّلًا.

وأخيرًا، يحذّر من خلل التعلّق: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾… ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أخطر ما يفسد الموسم ليس قلّة العمل، بل أن يُطلب الأمان عند الناس قبل الله، أو يُبتغى القبول في أعينهم قبل ابتغائه عنده.

رمضان، إذن، ليس تغيير جدول فقط، بل تغيير جهة. ليس سباق أرقام، بل مراجعة ارتباط. فإذا هلّ الهلال، فليكن
العنوان: أهلا بإحياء القلوب .

شاركها.
اترك تعليقاً