الحلقة الأولى:

من نحن حين يجوع من نحب ؟

قبل آذان المغرب بدقائق، كانت أمينة تقف في مطبخها الصغير، تحدّق في القدر الفارغ كما لو أنّها تنتظر منه جوابًا.

البيت ساكن على غير عادته.
الأطفال في الغرفة المجاورة يلتزمون صمتًا متواطئًا، صمتًا يعرفه الفقر جيدًا. فالجوع في البيوت المتعففة لا يحتاج إلى صراخ؛ يكفيه السكون.

فتحت خزانة المؤن للمرة الثالثة.
لم يبقَ من الأرز شيء.
حفنة الدقيق لا تكفي لصنع رغيف.
وقارورة الزيت مقلوبة منذ الأمس، لعلّها تستخرج منها قطرة أخيرة.

أغلقت الباب برفق، وكأنها تخشى أن يتسرّب العجز إلى ما تبقى من تماسكها.

منذ يومين وهي تؤثر أبناءها على نفسها.
تفطر على الماء، وتدّعي الشبع.
تبتسم لهم عند المائدة، وتقول إن شهية الصائم تخفّ مع التعب.

لم يسألها أحد عن شحوب وجهها.
فالكرامة في مثل هذه البيوت تعلّم أهلها ألّا يكثروا السؤال. وأخيرا وجدت بقاياخبزا يابسا وصنعت لهم قدرا من الشاي بملعقة سكريتيمة وأعين أطفالها تنتظرها بصمت

وطرق الباب فجأة.

توقفت أنفاسها لحظة.
في مثل هذا الوقت، قد يكون الطارق صاحب دين، وقد يكون رحمةً جاءت في وقتها.

فتحت الباب بتردد.
كانت جارتها تحمل صحنًا مغطّى.

قالت بهدوء:
“أعددنا طعامًا زائدًا اليوم، وأحببت أن نشارككم.”

لم تذكر صدقة، ولم تشر إلى حاجة.
قالت: نشارككم.

ترددت أمينة لحظةً، وكان في داخلها صراع صامت بين الحاجة والعزة.
ثم قالت بصوت خفيض:
“بارك الله فيكِ.”

أغلقت الباب، ورفعت الغطاء.

أرز دافئ.
وقطعتا دجاج.
وقليل من السلطة.

لم تبكِ.
لكن شيئًا في صدرها لان بعد قسوة.

عند الآذان، جلس الأطفال حول المائدة الصغيرة.
الفرح في أعينهم كان أوسع من الطعام نفسه.

قال صغيرها وهو يبتسم:
“اليوم الطعام مختلف.”

ابتسمت، وجلست معهم.
لأول مرة منذ يومين، تناولت نصيبها.

لم يكن جوعها إلى الخبز وحده.
كان جوعًا إلى شعورٍ أعمق:
أن تُرى دون أن تُهان، وأن تُعان دون أن تُكسر.

في تلك الليلة، لم يكن الدرس عن الفقر،
ولا عن الصدقة.

كان عن الرحمة حين تُقدَّم بستر،
وعن الكرامة حين تُصان في أشد لحظات الحاجة.

فالجوع لا يختبر المعدة فقط،
بل يمتحن القلوب.

وفي بيوت كثيرة، قبل أن يرتفع الآذان،
تدور معارك صامتة لا يسمعها أحد.

رحم الله أجدادنا وآباءنا علمونا أن نطعم جيراننا بتقديمها كهدية فرح ،
فمن نحن… حين يجوع من نحب؟

بقلم :سوزان محمد شيبانية

شاركها.
اترك تعليقاً