الحلقة الثانية:

ما يكسره الصوت المرتفع…

لم يكن سالم يهاب الجوع.
فالجوع عابر، يعرفه الصائم، ويصبر عليه حتى يؤذن المغرب.

لكنه كان يهاب شيئًا آخر.

كان يقف في الطابور بهدوءٍ متكلف، محاولًا أن يبدو عابرًا لا منتظرًا.
الوجوه من حوله متشابهة..نظرات قصيرة، وأصابع تعبث بالهواتف، وصمت ثقيل يلفّ المكان.

لم يكن هذا أول رمضان يمرّ عليه،
لكنه أول رمضان يقف فيه هنا.

كان له مكتب، وملفات، وراتب آخر الشهر.
كان يدخل بيته وفي يده ما يكفي، فلا يشعر أحدٌ أنه ناقص.
ثم تعثّرت الأيام، وخذلته الوظيفة، وتراكم الدين، حتى وجد نفسه يقف في طابور لا يعرف كيف يعتاد الوقوف فيه.

حين وصل دوره، مدّ يده بهدوء.

ناولَه الشاب صندوقًا، ثم قال بصوتٍ عالٍ، التفتت له الرؤوس:
“تفضل… هذا من أهل الخير. لا تنسَ أن تدعو لهم.”

لم تكن الكلمات جارحة في ظاهرها،
لكن الصوت كان مرتفعًا بما يكفي ليُعرّفه أمام الجميع.

في تلك اللحظة، لم يشعر بثقل الصندوق،
بل بثقل النظرات.

انكمش شيءٌ في داخله.

لم يكن يريد أن يُخفى فقره،
ولا أن يُزيَّن،
لكنه كان يريد فقط أن يبقى كما يعرف نفسه:
رجلًا لم تُسقِطه الحاجة.

حمل الصندوق ومضى.

في الطريق، كان الصمت أثقل من الخطوات.
تساءل في سرّه:
هل الجوع في المعدة أقسى، أم الجوع إلى الاحترام؟

حين طرق باب بيته، فتحت زوجته.
نظرت إلى الصندوق، ثم إليه، ولم تسأل.
أخذته منه برفق، وكأن الأمر طبيعي، وقالت:
“الحمد لله الذي يسّر.”

لم تذكر فضل أحد،
ولم تلمّح إلى عوز.
حفظت له ما انكسر في الخارج.

جلس إلى مائدته عند الأذان.
تناول لقيماته بصمت، وأدرك أن الجوع ليس دائمًا نقصًا في الطعام.

بعض الناس يجوعون إلى كلمة تُقال بخفوت،
إلى يدٍ تعطي دون أن تعرّف،
إلى سترٍ لا يُمزّقه صوت.

فالصوت المرتفع قد يُشبع معدة،
لكنه قد يكسر قلبًا.

والكرامة…
إن جاعت، لا يملؤها خبز.

فمن نحن… حين نعطي؟
وهل نُطعم الناس حقًا… أم نكسرهم بصوت مسموع.

سوزان محمد شيبانية/الرياض

شاركها.
اترك تعليقاً