البوابة – عبدالحميد حميد الكبي:
في أرض أذربيجان، حيث اختلطت دموع التهجير بتراب الوطن، تكتب اليوم صفحة جديدة من تاريخها المجيد. لم يقتصر الانتصار العسكري في 2020 على استعادة الأرضي الاذرية المحتلة، بل تحول إلى مشروع حضاري شامل يعيد بناء الروح قبل الحجر.
بحلول عام 2026، تتحول المناطق المحررة من “أرض الأطلال” إلى مختبر عالمي للتنمية المستدامة، حيث يمتزج التراث الثقافي العريق بالتكنولوجيا الخضراء، وتصبح جهود الإعمار رمزًا للإصرار على الحياة الكريمة.
إنها ليست مجرد إعادة إعمار، بل إعادة صياغة مستقبل أمة ترفض أن تبقى أسيرة الماضي، وتسعى لتكون في طليعة المدن الذكية والاقتصاد الأخضر، مستلهمةً من إرث COP29 الذي جعل باكو مركزًا للعمل المناخي العالمي.
برنامج “العودة الكبرى” الذي أُطلق عام 2022 يُعد أحد أبرز الإنجازات الاستراتيجية في تاريخ أذربيجان المعاصر.
حيث يهدف البرنامج في مرحلته الأولى (2022-2026) إلى إعادة توطين نحو 140 ألف نازح داخلي سابق (حوالي 34,500 أسرة) في قره باغ وشرق زنغزور، عبر إعادة بناء أكثر من 100 قرية ومدينة.
لا يقتصر الأمر على توفير السكن، بل يركز على “الإسكان الذكي” الذي يجمع بين الاستدامة البيئية والتكنولوجيا الحديثة.
في قرية “أغالي” بمنطقة زنغيلان – أول نموذج “قرية ذكية” – تعتمد المنازل على الطاقة الشمسية والرياح، مع إدارة الخدمات عبر الذكاء الاصطناعي، وأنظمة إضاءة ذكية، وإدارة النفايات المتقدمة، واتصال إنترنت عالي السرعة.
هذا النموذج يمتد إلى مناطق أخرى، محولاً المناطق المتضررة سابقًا إلى “مناطق طاقة خضراء”، حيث يتم بناء محطات هيدروكهربائية ومشاريع شمسية ورياح لتحقيق صفر انبعاثات صافية مستقبلًا.
ورغم التحديات اللوجستية والبيئية، مثل إزالة الألغام والتكلفة الباهظة، يتقدم المشروع بثبات. حتى بداية 2026، عاد أكثر من 26 ألف نازح سابق (حسب تقارير لجنة الإحصاء الحكومية في يناير 2026)، مع توقعات بتسارع العملية للوصول إلى الهدف الطموح. ويعيش حاليًا في المناطق المحررة أكثر من 55-73 ألف شخص (بما في ذلك العائدون والعاملون في الإعمار والقطاعات الأخرى).
بدعم ميزانية تفوق 22 مليار مانات (حوالي 13 مليار دولار) منذ بدء الإعمار، يعكس هذا النهج رؤية استراتيجية تجعل الإعمار فرصة للانتقال إلى اقتصاد أخضر، مستفيدًا من زخم COP29.
ومع استمرار هذا البرنامج الطموح، تبرز شوشة كرمز حي للتوازن بين شوشة: قلب ثقافي ينبض بالحداثة
تظل شوشة رمزًا للكبرياء الوطني الأذربيجاني.
المدينة التي كانت “جوهرة القوقاز” تعرضت لدمار كبير، لكن جهود الترميم اليوم تجمع بين الحفاظ على التراث والانفتاح على المستقبل. تُعاد بناء المساجد والكنائس والمواقع التاريخية بدقة، مع إنشاء بنية تحتية حديثة تشمل مدارس ومستشفيات ومراكز ثقافية. بحلول 2026، تعود آلاف الأسر لتمارس فن “المقام” والحرف اليدوية في بيئة توفر الرفاهية الرقمية، مما يجعل شوشة نموذجًا عالميًا للمدن التي توازن بين الهوية والحداثة.
كما أعلن الرئيس إلهام علييف عام 2026 “عام التخطيط العمراني والمعماري” بمرسوم رئاسي في 22 ديسمبر 2025، تزامنًا مع استضافة باكو للدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي (WUF13) من 17 إلى 22 مايو 2026، تحت شعار “السكن للجميع: مدن ومجتمعات آمنة ومرنة”.
هذا الاعتراف الدولي – الذي جاء بعد COP29 – يعزز مكانة أذربيجان كمرجع في التخطيط الحضري المستدام. تقود “مؤسسة حيدر علييف” جهود ترميم المواقع الدينية والأثرية، مؤكدة قيم التسامح والتعايش. كما أُعدت مخططات رئيسية لثماني مدن وتسعين قرية، مع التركيز على المدن الذكية والمباني المستدامة.
من خلال متابعتي الدؤوبة لأذربيجان، أرى أن المعجزة الحقيقية ليست في الطرق والمطارات، بل في روح الإنسان الأذربيجاني. عيون العائدين تفيض إصرارًا، وشباب المتطوعين يحملون شغفًا يحول الركام إلى أمل، رغم التحديات المستمرة في إزالة الألغام وتسريع البنية التحتية. إنها قوة ناعمة تصنع كرامة وطنية صلبة، وتلهم كل شعب ينشد الانبعاث من جديد.
أذربيجان 2026 ليست مجرد دولة تنهض، بل نموذج ملهم للشعوب التي تواجه الدمار. من باكو إلى شوشة، مرورًا بأغالي وقره باغ، يتقدم قطار التنمية مدفوعًا بالحب والانتماء. إنها رحلة من الظلام إلى النور، من الركام إلى الذكاء المستدام، تثبت أن الشعوب الحية تصنع قدرها، وتزرع الأمل في أرض كانت بالأمس قاحلة. في زمن التحديات العالمية، تقدم أذربيجان درسًا: الإعمار ليس بناء حجارة، بل بناء كرامة ومستقبل يليق بالإنسان.



