الحلقة الحادية والعشرون

جوع لزمن الأجداد

كنتُ صغيرةً حين كان بيتُ جدي عبدالله هو العالم كلّه.
بيتٌ دمشقيّ قديم، تتوسطه باحة واسعة، فيها أشجار التين وأخرى مشمش، وحولها أزهار تعبق بالحياة. في ذلك البيت كنا نعيش جميعًا، الأجداد والأبناء والأحفاد . وكان رمضان هناك له طعمٌ لا يشبه أي رمضان آخر.

كان جدي عبدالله رجلًا يحبّ اللباس الدمشقي القديم، يرتديه بإتقانٍ وهيبة، كأن الزمن توقف عند كتفيه فاستحق لقب الأفندي بجدارة
كان حنونًا عطوفًا، وكان يناديني دائمًا: “سوسة”.

الأجداد يعرفون كيف يربطون الطفل باسمه.

كنت فعلًا لا أهدأ حتى أصل لما أريد.
وحين كبرت قليلًا، وكثرت أحلامي وأهدافي، صار يضحك ويناديني: “أم السوس”…
كأنه يقول إن تلك السوسة الصغيرة صار لها نسلٌ من الأحلام.

في رمضان كان الجوع يزورني سريعًا.
كنت في السادسة من عمري، وقبل الآذان بعشرين دقيقة تقريبًا، أجلس قرب جدي وأقول له بصدق الأطفال:

“يا جدي… جعت.”

فيبتسم ويقول بهدوء:
“افطري يا سوسة.”

كان يعلم أن رحمة الله أوسع من طفلٍ يجوع فيتألم.

مرةً واحدة فقط فعلتها.
أكلت حبة جارنك قبل الآذان بعشرين دقيقة.

لم يكن طعمها كما تخيلت، بل اختلط بشيء من الندم.
ومن يومها لم أكررها أبدًا.

لكنني لم أندم قط…
أن جدي كان رحيمًا.

أما جدتي حياة فكانت امرأة بسيطة جدًا، خجولة، مسكينة القلب وواسعة الحنان.
وفي رمضان كانت صحون الطعام تخرج من بين يديها بهدوء، تعبر باب بيتنا إلى بيوت الجيران في الحارة، وكأن الخير يعرف طريقه وحده.

وفي بيتنا كانت هناك جدة أخرى…
جدة أبي، اسمها ليلى.

كانت ضريرة… لكنها كانت أكثرنا بصيرة.

كانت هي القائدة الحقيقية لمطبخ رمضان.
كانت جداتي يعجنّ الخبز بأيديهن، ويخبزنه في التنور تحت اشرافها، ثم يخرج الخبز ساخنًا طيبا حنونا ليُوزَّع على بيوت الحارة بيتًا بيتًا.

كانت تقول دائمًا إن البركة لا تسكن البيت حتى تخرج منه.

وكنت أسمع الكبار يقولون:
“من لم يذق رغيفًا من يد الجدة ليلى… فقد ذهب نصف عمره.”

كان خبزها يشبهها…
بسيطًا، دافئًا، ومليئًا بالبركة.

مرت السنوات…

ورحلت جدتي ليلى، التي كانت ترى بقلوبنا أكثر مما نرى نحن بأعيننا.
ثم رحلت بعدها جدتي حياة، التي كانت صحون الخير تخرج من بين يديها إلى الحارة كلها.
ثم جاء اليوم الذي رحل فيه جدي عبدالله… آخر أعمدة ذلك البيت.

كأن البيت الدمشقي القديم أطفأ مصابيحه واحدًا بعد آخر.

اليوم لم يبقَ من أولئك الكبار إلا أبي وأمي.
لكنني كلما نظرت إليهما أشعر أن الراحلين لم يذهبوا بعيدًا.

في كرم أبي… ظلّ جدي عبدالله.
وفي طيبة أمي… روح جدتي حياة.
وفي بركة البيت وصبره… أثر الجدة ليلى.

كأنهم جميعًا
سلّموا شعلة الخير…
ومضوا.

وتركوا لنا بيتًا من الذكريات.
كلما جاء رمضان،
وكلما اشتدّ الجوع قبل الآذان…

عاد ذلك البيت الدمشقي القديم حيًا في قلبي،
وعاد صوت جدي يناديني:

“سوسة…”

ثم يضحك ويقول:
“بل أم السوس.”

رحمهم الله جميعًا…
وجعل ما زرعوه فينا من خيرٍ وبركةٍ صدقةً جاريةً لهم ما بقي رمضان وما بقيت الذكريات.

شاركها.
اترك تعليقاً