الإنسان بطبيعته كائن يسعى نحو غاية أسمى تضفي المعنى على حياته. وجود القيم الثابتة والأهداف النبيلة يشكّل جوهر الإنسانية، إذ لا يمكن للإنسان أن يعيش دون منظومة أخلاقية تستمد مرجعيتها من شيء يتجاوز ذاته. هذه القيم تمنحه القوة لمواجهة التحديات، وتمنع تردّيه في دوامة العبثية والضياع.
العلمانية، على الرغم من دورها في فصل الدين عن السياسة، غالبًا ما تضع الإنسان في مأزق معنوي وأخلاقي. حين تقصي الدين وتفصله عن حياة الأفراد والمجتمعات، تترك فراغًا يصعب ملؤه. فالدين ليس مجرد طقوس، بل هو مصدر للقيم والمبادئ التي تهدي سلوك الإنسان وتمنحه رؤية متكاملة للحياة. قال الله تعالى: “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” (المؤمنون: 115)، مما يؤكد أن الإنسان خلق لهدف سامٍ وليس ليعيش عبثًا.
الدين يقدّم إجابات شافية عن الأسئلة الوجودية: من نحن؟ ولماذا نحن هنا؟ قال الله تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” (الذاريات: 56)، وهي إشارة واضحة إلى الغاية الكبرى من حياة الإنسان، المتمثلة في عبادة الله وتحقيق السمو الروحي.
النبي محمد صلى الله عليه وسلم أشار كذلك إلى أهمية القيم الثابتة والغاية في توجيه السلوك بقوله: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق” (رواه الإمام أحمد).
غياب الدين يؤدي إلى تفكك المنظومة الأخلاقية وزعزعة استقرار المجتمعات، كما نرى في الدول التي تبنّت العلمانية الشاملة. تقرير لمجلة The Atlantic عام 2018 أشار إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب والانتحار في الدول الأكثر علمانية، مما يبرز التأثير النفسي الناتج عن غياب الغاية الكبرى.
في الختام، الدين هو الأساس الذي يمنح الإنسان معنى لحياته وقيمًا ثابتة تحكم وجوده. بل إن الدين منظومة حياة متكاملة تمنح الإنسان المعنى والاستقرار النفسي. وعندما تُقصي العلمانية الدين، فإنها تخلق فراغًا أخلاقيًا ووجوديًا يهدد التوازن الروحي والنفسي للأفراد والمجتمعات.

