البوابة – عبد الحميد حميد الكبي:

تتألق كازاخستان كمركز عالمي للحوار والتسامح، حيث تجمع بين تراث تاريخي غني ودور ريادي في تعزيز الوئام الديني. من خلال مبادراتها الدبلوماسية الروحية، مثل مؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية الذي انطلق عام 2003 في العاصمة أستانا، تبرز كازاخستان كنموذج للتعايش السلمي. يُعقد هذا المؤتمر كل ثلاث سنوات، ويشكل فضاءً عالميًا متميزًا يجمع قادة دينيين وسياسيين من مختلف الأديان والثقافات لتعزيز الوئام ومواجهة التحديات العالمية.
بدأت هذه المبادرة برؤية الرئيس السابق نزارباييف ، الذي اعتبر الحوار بين الأديان أداة فعالة لمكافحة التطرف وتعزيز التفاهم المتبادل. يسعى المؤتمر إلى بناء جسور بين الأديان، مع التركيز على التعاون لمعالجة القضايا الاجتماعية والثقافية، مما يعزز السلام على مستوى العالم. في نسخته الأولى عام 2003، شارك ممثلون من الإسلام والمسيحية واليهودية، وحظي الحدث بدعم دولي من قادة بارزين في الكنيسة الكاثوليكية ومسؤولي الأمم المتحدة آنذاك. تطور المؤتمر ليصبح منصة عالمية مرموقة، مدعومًا بإنشاء قصر السلام والوئام عام 2006 كرمز للوحدة.
وتحت قيادة الرئيس الحالي قاسمجومارتتوكاييف، استمر المؤتمر في تعزيز دوره كمنارة للحوار العالمي. في النسخة السابعة عام 2022، التي تأخرت من 2021 بسبب جائحة كوفيد-19، أكد القادة الدينيون دورهم كمرشدين أخلاقيين، مع التأكيد على احترام السيادة الوطنية والمعايير الدولية. حضر الحدث أكثر من 100 وفد من 50 دولة، بمشاركة قادة دينيين بارزين من الكنيسة الكاثوليكية ومؤسسات إسلامية مرموقة، إلى جانب أكثر من 200 صحفي أجنبي و300 إعلامي محلي. كما أُسس المركز الدولي للحوار بين الأديان لضمان استدامة هذه المبادرات من خلال هيكلية تشمل مجلس القادة الدينيين ومنتدى للشباب.
لذلك تتجلى التعددية الدينية في كازاخستان من خلال استضافتها من الأعراق والطوائف الدينية التي تعيش في انسجام. تجسد هذا التنوع في مبادرات مثل وثيقة الأخوة الإنسانية، التي حظيت بإشادة عالمية، ووثيقة أخرى دُعمت عام 2022 لتعزيز السلام. يعمل المركز الدولي للحوار بين الأديان كمنصة دائمة لتنسيق الحوار ومكافحة التطرف، مع التركيز على تمكين الشباب والمرأة. يعكس النموذج الكازاخستاني للتفاعل بين الأعراق والأديان التزامًا عميقًا بالمساواة وحقوق الإنسان، مما يمنع التوترات ويعزز الاستقرار الاجتماعي.
وتتمتع كازاخستان بتاريخ غني كملتقى حضاري على طريق الحرير، حيث كانت مركزًا للتبادل الثقافي والديني بين الشرق والغرب. شهدت المنطقة عبر القرون تفاعلًا بين الإسلام والبوذية والمسيحية والمعتقدات التقليدية للشعوب الرحل، مما شكل نسيجًا ثقافيًا فريدًا. من مدينة تركستان التاريخية، التي تضم ضريح الخواجة أحمد يسوي، إلى مواقع أثرية مثل أوثار وتامغالي، تجسد كازاخستان إرثًا يعكس التنوع والتسامح. هذا التاريخ العريق يعزز دورها الحديث كجسر بين الحضارات.
في سبتمبر 2025، ستستضيف كازاخستان النسخة الثامنة من المؤتمر تحت شعار “حوار الأديان تآزر من أجل المستقبل”. سيجمع الحدث قادة من الإسلام والمسيحية والبوذية والهندوسية وغيرها، لبحث سبل تعزيز الوئام ومواجهة التحديات العالمية. تخطط خطة عمل 2024-2025 لتوسيع هذا التعاون، مما يعزز مكانة كازاخستان كمركز للدبلوماسية الروحية.
يجسد مؤتمر زعماء الأديان التزام كازاخستان بالتسامح والتعايش، بينما يعكس إرثها التاريخي قدرتها على ربط الحضارات. من خلال هذه الجهود، تقدم كازاخستان نموذجًا متكاملًا للوئام الديني والثقافي، مؤكدة أن الحوار والتنوع هما مفتاح السلام والازدهار في عالم مليء بالتحديات.

شاركها.
اترك تعليقاً