السلام عليكم ، وأسعد الله جميع اوقات القارئين ، تربة مدينة عامرة ولها عمق تاريخي ربما يجهله بعض ابنائها قبل الآخرين، وكذلك أقدم عمارة وأقدم سُكنى ومأهولة من القِدم وسكنتها قبائل قيس من سُليم ثم هوازن متمثلة بـ عامر بن صعصعة ثم الأزد والمتمثلين الآن بقبيلة البقوم التي لا زالت فيها .

وللأسف أجد هناك من يُطلق مسميات عليه عدّة حسب الديار التي يمرّ بها الوادي أو حتى يُنسب لقوماً معينين ، وهذا من الخطأ الكبير والوهم المركب، والسطحية التي لا تخوض عمق نصوص التأريخ والمواضع والأمكنة .

يقول البغدادي المتوفى سنة 230 هـ في قصة إسلام بني رؤاس من بني كلاب وتأجيلهم ذلك حتى يظفرون من بني عقيل بن كلاب ثأراً لهم.
«فقال أبو نفيع: فقلت: قد بقيتم يا رجال القبيلة بقية يومكم، ثم لحق العقيلي برجل من بني عبيد بن رؤاس يقال له المحرس بن عبد الله بن عمرو بن عبيد بن رؤاس، فطعنه في عضدته فخلعها، ثم اعتنق المحرس فرسه وقال: يا بني رؤاس، فقال ربيعة: أمراء خيل أم أناس؟ فالتفت عمرو بن مالك إلى ربيعة فطعنه فقتله، ثم انطلقنا نسوق الإبل، فجاء بنو عقيل في طلبنا حتى وصلنا إلى تربة، فقطع وادي تربة بيننا وبينهم، فجعل بنو عقيل ينظرون إلينا فلا يصلون إلى شيء. قال عمرو بن مالك: فخفت وقلت: قتلت رجلاً وقد أسلمت وبايع النبي صلى الله عليه وسلم، فقيدت يدي إلى عنقي في الأغلال، وخرجت أطلب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد بلغه ذلك، فقال: لئن جاءني لأضربن ما فوق القيد من يده، قال: فأطلقت يدي، ثم أتيته فسلمت عليه فأعرض عني، ثم أتيته عن يمينه فأعرض عني، ثم أتيته عن يساره فأعرض عني، ثم أتيته من قبل وجهه، [وقلت: يا رسول الله، إن كان الرب قد رضي، فقد رضي عني، رضي الله عنك]، قال: رضيت عنك»

وهنا تم ذكر وادي تربة كموضع جاهلي قبل الإسلام .

وذكر ياقوت الحموي وادي تربة كموضع و ذكر كذلك بستان عامر (الغريف) حالياً كموضع آخر :

بقوله « ثُمَّ تؤم [مكة منحدرا من برية يقال لَهَا جفجف. وتنحدر فِي حد مَكَّة فِي واد يقال لَهُ وادي تربه ، تنصب إِلَى بستان بَنِي عامر ، وحواليه [بين الجبال السراة ويسوم وفرقدو] معدن البرم ، وجبلان يقال لهما شوانان، واحدها شوان. وَهَذِهِ البلاد كلها لغامد.»

فهنا ذكر واضح لموضع وادي تربة .

وذكر في موضعٍ آخر في كتابه نقلاً عن عرام السلمي « وقال أبو الأشعث الكندي عن عرّام: وادي تربة لبني هلال وحواليه بين الجبال السراة ويسوم وفرقد ومعدن البرم وجبلان يقال لهما شوانان واحدهما شوان، وهذه الجبال تنبت القرظ، وهي جبال متقاودة وبينها فتوق، وفي جبال السراة»

وهنا ذكر آخر لوادي تربة من عرام السلمي في القرن الثالث الهجري.

وذكر كذلك ياقوت الحموي في معجم البلدان في الجزء الثاني «تربة: بالضم ثم الفتح. وادٍ بالقرب من مكة على مسافة يومين منها.»

وذكر المسعودي في التنبيه والإشراف والمتوفى سنة 346هـ : «ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي في شهر ربيع الأول الى بنى عامر بالسى من ناحية ركبة، مما تلى تربة وركبة وراء معدن بنى سليم من المدينة على خمس ليال.»

وذكر صاحب سمط النجوم العوالي عبدالملك المكي «ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف خرج فِيهَا مَوْلَانَا الشريف بَرَكَات وصبحته مُحَمَّد جاوش بالعساكر فِي طلب الشريف سعد فسلك طَرِيق الثَّنية إِلَى الطَّائِف وَكَانَ الشريف سعد قد سلكها وَنزل بِالطَّائِف ثمَّ ارْتَفع عَنهُ إِلَى عباسة ثمَّ إِلَى تربة ثمَّ إِلَى بيشة فَأَقَامَ بهَا فَتَبِعَهُ الشريف بَرَكَات وَمُحَمّد جاوش بِمن مَعَهُمَا حَتَّى انْتهى فِي التّبعِيَّة إِلَى قريب من الْبَلَد الْمُسَمَّاة تَرَبَة ثمَّ عَاد الشريف بَرَكَات إِلَى الْمَبْعُوث ثمَّ إِلَى الطَّائِف»

وأهم النصوص التي وردت هو ما ذكره الهمداني في صفة جزيرة العرب بقوله : «فترد الدخول وله علم يقال له منْخر هضبة، ثم تقع في رملة عبد الله بن كلاب ثم ترد الأخضر بأسفل وادي تُربة ثم بيشة أن تياسر، وأن تيامن فعلى بريم ومياهه التي سميناها فيما تقدم البقرة وناصحة وذات الرقاع وذوات الفرعاء وهضب الحمارة وهما ماءان، وهضب الأوقب أوقب بني الأعلم وكل ذلك خانسٌ عن الطريق»

فهنا تمّ تسمية رملة «عبدالله بن كلاب» وهو (عرق سبيع) حالياً وتمّ تسمية وادي تربة وبيشة في تياسر القادم حسب وصف الهمداني للقادم لهذه المواضع للقادم لها من اسفل نجد، وبريم موضع لا زال قائما قرب جبل حضن الشهير،

والأخضر وردَ نسبته الى وادي تربة بقول ابو بكر الحازمي المتوفى سنة 548هـ والذي حقق قوله العلامة حمد الجاسر بقوله : «وأخْضَرُ أيضاً: وادٍ تجتمع إِلَيْهِ السُّيول التي تأتي من السَّراة وهو أخْضرُ تُربة.»
وذكر الأخضر كذلك ياقوت الحموي المتوفى 626هـ بقوله « وأخضر تربة: اسم واد تجتمع فيه السيول التي تنحط من السراة، وقيل: نهي طوله مسيرة ثلاث، وعرضه مسيرة يوم، ويقال: الأخضرين.»
وهذا الوصف للهمداني من القرن الثالث للهجرة وفي بداية عصر التدوين .
وذكر الزمخشري المتوفى 538هـ في مواضع الجبال والأمكنة والمياه « وادي عردات: واد بجيلة مسيرة نصف يوم أعلاه عقبة تهامة واسفله تُربة وتربة بين اليمين وبين نجد، والقرى التي بوادي عردات من أسفله الى أعلاه.»
والمعلوم ان وادة عُردة وادٍ سروي من ديار بجيلة «بني مالك» حالياً يصبّ في وادي تربة ورافد من روافد وادي تربة وانتفى اسمه حين يصبّ في وادي تربة وأُعتبر رافداً لوادي تربة الشهير والكبير .

وفي جميع الأقوال التي أوردتها سابقاً تدلّ دلالة جازمة ان هذا الوادي اسمه (وادي تربة) من تربة زهران القريبة من برحرح حالياً الى تربة الخيالة كما يُطلق عليها في بعض النصوص بقرب تربة 70 كيلاً للجنوب ، الى بطن مدينة تربة الحالية والعامرة الى الآن وبها نقوش تدلّ على عمارتها قبل 2000 عام ، الى بستان عامر (الغريف) حالياً ، الى عرق سبيع وهي (رملة عبدالله بن كلاب) على وصف الهمداني فأسمه وادي تربة إمتداداً سروياً الى سهول نجد وعروقها الرملية.

شاركها.
اترك تعليقاً إلغاء الرد

© حقوق النشر محفوظة 2026 | لصحيفة البوابة

Exit mobile version