رغم ما يشهده سوق العمل من تحوّلات إيجابية نحو تمكين المرأة وتوسيع مشاركتها المهنية، لا تزال كثير من النساء يواجهن عوائق غير معلنة عند التقدّم للوظائف، عوائق لا تظهر في نصوص الإعلانات، لكنها تتجلّى في الممارسات اليومية داخل بعض بيئات التوظيف.
تبدأ هذه التحديات منذ المقابلات الوظيفية، حيث تُطرح أحيانًا أسئلة تتجاوز حدود الكفاءة والخبرة لتلامس الحياة الشخصية أو المظهر أو المسؤوليات الأسرية، بما يعكس تشكيكًا غير مباشر في أهلية المرأة المهنية. وفي مواقف أخرى، يظهر التنمّر بصور خفية، عبر تعليقات ساخرة أو تقليل مبطن من القدرات، ما يحوّل المقابلة من مساحة لتقييم المهارات إلى تجربة ضاغطة نفسيًا.
أما التحرّش المبطن، فيبقى من أخطر ما تواجهه المرأة في هذه المرحلة، كونه يتخفّى خلف عبارات مجاملة أو تلميحات غير صريحة أو تجاوزات تُفسَّر على أنها «سوء فهم». هذا النوع من السلوك يضع المرأة أمام خيارات صعبة، إما الصمت خشية خسارة الفرصة الوظيفية، أو المواجهة مع احتمالية الإقصاء غير المعلن.
ولا تتوقف آثار هذه الممارسات عند حدود التقديم للوظيفة، بل تمتد لتؤثر في ثقة المرأة بنفسها ومسارها المهني، وقد تدفعها إلى التراجع عن فرص تستحقها، أو القبول ببيئات عمل أقل أمانًا، هربًا من الإيذاء أو الضغط النفسي.
ويرى مختصون أن التصدي لهذه الظواهر يتطلب تفعيل أنظمة واضحة تحمي المتقدّمات من أي إساءة، وتعزيز ثقافة مهنية قائمة على الاحترام وتكافؤ الفرص، إلى جانب تمكين المرأة من معرفة حقوقها وسبل الإبلاغ الآمن دون خوف من تبعات سلبية.
وفي ختام المشهد، يؤكد البعد القيمي والديني رفض كل أشكال الأذى المعنوي والانتقاص من الكرامة الإنسانية، حيث يقول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾
(سورة الأحزاب: 58)
وهي رسالة واضحة بأن العدالة والاحترام ليست مطالب اجتماعية فحسب، بل قيم راسخة، لا يتحقق تمكين المرأة الحقيقي إلا بالالتزام بها منذ أول خطوة في طريق العمل
