عبد الحميد حميد الكبي
في كازاخستان، يروي قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) قصة نجاح تدريجي، لكنه يحمل في طياته أسئلة مهمة حول قدرته على الصمود والتوسع بشكل مستدام.
بعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية، أصبح هذا القطاع أحد المحركات الرئيسية للنمو. ومع ذلك، لا يزال يواجه تحديات هيكلية عميقة تتطلب حلولاً جريئة ومستمرة.
حيث بلغت مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي لكازاخستان 40.9% بنهاية عام 2025، ارتفاعاً من 32.9%فقط في عام 2020 — بزيادة ملحوظة بلغت قرابة 8 نقاط مئوية.
لم تحدث هذه الزيادة بالصدفة؛ إنها نتيجة جهود إصلاحية مستمرة ركزت على تقليل الأعباء الإدارية، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الرقمنة.
خلال اجتماعه المائة، برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد الوطني سيريك زومانجارين، استعرضت اللجنة الوزارية بين الجهات أداء القطاع.
ووفقاً لنائب الوزير يرلان ساغناييف، بلغ عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المسجلة في كازاخستان حتى 1 يناير 2026 نحو 2.4 مليون، منها 2.2 مليون تعمل بنشاط.
وارتفع نصيب المؤسسات النشطة من 84.3% إلى 92.2% خلال السنوات الخمس الماضية — وهو مؤشر واضح على تحسن الكفاءة التشغيلية.
ساهمت المؤسسات الصغيرة بنسبة 33.7% في الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغت مساهمة المؤسسات المتوسطة 7.2%. وبشكل عام، أنتج القطاع منتجات وخدمات بقيمة تجاوزت 104 تريليون تينغ، مسجلاً نمواً حقيقياً بنسبة 12.3%.
ويظل القطاع أكبر صاحب عمل في البلاد، حيث يوفر وظائف لأكثر من 4.5 مليون شخص أي ما يقارب 46.6% من القوى العاملة النشطة.
يمنح هذا الدور للقطاع أهمية استراتيجية تتجاوز الاقتصاد البحت، إذ يساهم مباشرة في خفض البطالة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي في مختلف المناطق.
رغم هذا التقدم الواضح، تستمر التحديات الهيكلية الخطيرة. فما يقارب 90% من المؤسسات الصغيرة لا تزال مصنفة كـ”متناهية الصغر”، وتتمتع بإنتاجية أقل بكثير مقارنة بالشركات المتوسطة والكبيرة.
كما أن النشاط الاقتصادي متركز بشدة في التجارة داخل المدن الكبرى، حيث تساهم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بنسبة 65.9% في المنتج الإقليمي لأستانا و59.8% في ألماتي.
يبرز هذا التركز ضعف التنويع الإقليمي والقطاعي، مما يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات المحلية.
على الصعيد التنظيمي، وافقت اللجنة على تعديلات مهمة تؤثر مباشرة على بيئة الأعمال. فيما يتعلق بتخفيف الأعباء الإدارية، انخفض إجمالي تفتيشات الأعمال بنسبة 4.9% في عام 2025، بينما تراجعت تفتيشات التراخيص المهنية بنسبة 69.5%.
ويؤثر ذلك إيجاباً خاصة على المؤسسات الصغيرة التي كانت تعاني أكثر من التفتيشات المتكررة والإجراءات البيروقراطية.
كما حققت الحكومة تقدماً في تبسيط التصاريح، وتقصير أوقات المعالجة، وأتمتة أكثر من 40%من أدوات التقارير.
وفي القطاعات الحساسة، قررت اللجنة إعادة العمل بشهادات الصحة لنقل المنتجات الزراعية بين المناطق لحماية الجودة والثقة العامة بعد ارتفاع المخالفات. أما بالنسبة لليانصيب الإلكتروني، فقد تم تمديد الفترة بين السحوبات إلى 30 دقيقة، مع قيود جديدة على شراء التذاكر استجابة لشكاوى المواطنين. كما أيدت اللجنة إعادة التفتيش السنوي الإلزامي لمنشآت استقبال وتخزين الحبوب.
في رأيي، إن الوصول إلى مساهمة 40.9% في الناتج المحلي الإجمالي يمثل نقلة نوعية حقيقية لاقتصاد كازاخستان الذي اعتمد طويلاً على الموارد الطبيعية.
أصبح قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مصدراً حيوياً للوظائف والدخل، وهو خطوة مهمة نحو تنويع الاقتصاد. ومع ذلك، يعتمد النجاح طويل الأمد على قدرة أستانا على تحقيق توازن دقيق بين تخفيف الأعباء الإدارية على الأعمال الصغيرة وتعزيز الرقابة في القطاعات الحساسة التي تؤثر على الصحة العامة والاستقرار الاقتصادي.
يتطلب الحفاظ على هذا المسار حلولاً جذرية للمشكلات القائمة: تسهيل الوصول إلى التمويل الميسر، ورفع الإنتاجية من خلال التدريب والتكنولوجيا، ودعم المؤسسات المتوسطة لتمكينها من التصدير والمنافسة دولياً.
أتوقع أن ينمو نصيب القطاع أكثر في عامي 2026-2027، خاصة مع برامج مثل “إسكر أيماك” التي تركز على المناطق الريفية، إلى جانب استمرار الرقمنة وتحسين آليات التمويل. وقد يصل الرقم إلى 43-45% إذا استمرت الإصلاحات بفعالية.
ومع ذلك، فإن النجاح الحقيقي يعتمد على تحويل النمو الكمي إلى نمو نوعي مدعوم بالتكنولوجيا والابتكار والمهارات.
تمتلك كازاخستان اليوم زخماً حقيقياً في قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. الفرصة متاحة، والتحديات معروفة. السؤال الأساسي الذي يبقى: هل ستنجح أستانا في تحويل هذا القطاع إلى ركيزة اقتصادية مستدامة تقلل فعلياً من الاعتماد على الموارد الطبيعية؟ الإجابة ستتضح خلال السنوات القليلة القادمة.

