في كل مباراة كرة قدم هناك فريق منتصر وآخر خاسر، لكن عندما يتحول التشجيع إلى عنف، فلا يوجد منتصر على الإطلاق، بل يخسر الجميع؛ الجماهير، والأندية، والرياضة، والمجتمع.

وأتساءل من كان المسؤول عن العنف الذي تصدر في نهائي الأرجنتين وأسبانيا ولم الفيفا أغمضت عينيها فلا دور لها وكأنها غير موجودة

كرة القدم وُجدت لتزرع الفرح، وتغرس روح المنافسة الشريفة، وتجمع الشعوب على لغة واحدة لا تحتاج إلى ترجمة. إلا أن التعصب الرياضي حوّلها في بعض الأحيان إلى ساحة للصراعات، حتى أصبح الانتماء للنادي عند البعض مبررًا للإساءة والاعتداء وتبادل الكراهية، وكأن نتيجة مباراة أصبحت معيارًا للكرامة أو الانتصار الشخصي.

المؤسف أن العنف الكروي لم يعد يقتصر على المدرجات، بل امتد إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُطلق الشتائم، وتُنشر الإساءات، وتُغذى ثقافة التعصب بين الشباب. وما يبدأ بكلمة مستفزة قد ينتهي بخلافات عائلية أو اشتباكات في الشوارع، لتدفع الرياضة ثمن تصرفات لا تمت إلى الروح الرياضية بصلة.

إن التشجيع الحقيقي لا يعني أن تكره منافسك، بل أن تحب فريقك وتحترم غيره. فالأندية تتنافس داخل الملعب، أما الجماهير فيجب أن تتنافس في الأخلاق والرقي والوعي. ومن المؤسف أن بعض المشجعين يربطون سعادتهم أو غضبهم بنتيجة مباراة تستغرق تسعين دقيقة، بينما تستمر آثار التعصب لسنوات.

ولا يمكن إلقاء المسؤولية على الجماهير وحدها، فالإعلام الرياضي مطالب بخطاب مسؤول يبتعد عن الإثارة التي تؤجج المشاعر، والأندية مطالبة بتوعية جماهيرها، واللاعبون والإداريون مطالبون بضبط انفعالاتهم، لأنهم قدوة يتابعها الملايين. كما أن الأسرة تظل المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء معنى الفوز والخسارة، وأن احترام الخصم لا يقل قيمة عن تحقيق الانتصار.

وفي المملكة العربية السعودية، تعيش الرياضة مرحلة تاريخية من التطور والازدهار، مع استضافة البطولات العالمية، واستقطاب أبرز نجوم كرة القدم، وتطوير الملاعب والمنشآت الرياضية. وهذه النهضة لا تكتمل إلا بجمهور واعٍ يدرك أن تشجيع فريقه لا يمنحه الحق في الإساءة إلى الآخرين، بل يحمله مسؤولية تمثيل وطنه بصورة مشرّفة.

إن الحضارة الرياضية لا تُقاس بعدد الجماهير في المدرجات، بل بمستوى وعيهم. والمشجع الحقيقي هو من يصفق لفريقه عند الفوز، ويقف معه عند الخسارة، ويغادر الملعب وقد ترك خلفه ذكرى جميلة، لا مشهدًا مؤسفًا.

فلنجعل من الملاعب ساحات للفرح، لا ميادين للخصومة، ولنتذكر دائمًا أن المباراة تنتهي مع صافرة الحكم، أما الأخلاق فتبقى عنوان الإنسان في كل زمان ومكان

شاركها.
اترك تعليقاً