القصة التاسعة عشر

الناس تريد أن تضحك.

في كل ليلةٍ من ليالي رمضان، كان ثلاثةُ شبّانٍ يجلسون أمام الكاميرا، يضبطون الإضاءة، ويستعدّون للبثّ المباشر عبر التكتوك.

أحدهم يرتدي ثوبَ صلاةٍ نسائيًّا، يضع غطاءً على رأسه بطريقةٍ ساخرة، ويقلّد صوت امرأةٍ وهي تدعو أو تنصح. يتعمد المبالغة في الحركات، ويحوّل الخشوع إلى مادةٍ للضحك، فتنهال التعليقات والضحكات والقلوب المتطايرة.

كانوا يقولون لأنفسهم:
“مجرد محتوى… الناس تريد أن تضحك.”

لكنهم لم يكونوا يرون ما وراء الشاشة.

كانوا جائعين…
لا جوع بطون، بل جوع انتباه.
جوع شهرةٍ سريعة، وعدد متابعين يرتفع كميزانٍ وهميٍّ يقيس قيمتهم.

وفي كل مرةٍ يزداد فيها التفاعل، كانوا يزدادون جرأة.
يتحوّل ثوب الصلاة من رمز خشوعٍ إلى أداة تمثيل، ومن لباس عبادةٍ إلى وسيلة جذب.
وصار التهكّم على المرأة المسلمة مادةً سهلةً تضمن الضحك الرخيص.

في إحدى الليالي، انتهى البثّ، وعاد أحدهم إلى غرفته. فتح هاتفه ليجد رسالةً من أخته الصغيرة:
“أخي… صديقاتي أرسلن لي مقطعك. ضحكن عليّ لأنك تقلد النساء وأنك تشبه أمك وتشاجرت أمي مع أمهاتهن لاتهامهن لنا بأننا نتنمر عليهن .”

تجمّد قلبه.

لم يكن يتخيّل أن الضحكة التي يصنعها ستعود لتطعن أقرب الناس إليه.

تذكّر أمّه وهي تصلي في زاوية البيت، بثوبٍ أبيض بسيط، تهمس بالدعاء في السحر.
تخيّل لو أن أحداً سخر من هيئتها… هل كان سيضحك؟

في صلاة التراويح تلك الليلة، لم يستطع رفع عينيه عن موضع سجوده.
شعر أن قلبه مشتّت، جائع إلى كل شيءٍ إلا المعنى.
جائع إلى أرقامٍ لا تُشبع، وضحكاتٍ لا تدوم.

أدرك أن جوع عدم التركيز أخطر من جوع المعدة.
حين ينشغل القلب بالتصفيق، ينسى لماذا خُلق.
وحين تتحول المقدسات إلى مادة سخرية، يصبح الضحك ثقيلًا… بلا بركة.

في اليوم التالي، نشر مقطعًا مختلفًا.
خلع ثوب التمثيل، وظهر بوجهه الحقيقي، وقال بصوتٍ صادق:
“ضحكنا كثيرًا… لكننا تجاوزنا الحد. لا يصح أن نجعل ما نوقّرُه في بيوتنا مادةً للتندر. الشهرة لا تستحق أن نخسر احترامنا.”

لم تكن التعليقات كلها مؤيدة.
بعضهم سخر، وبعضهم انسحب.
لكن قلبه شعر بخفةٍ لم يعرفها منذ زمن.

رمضان يعلّمنا أن نصوم عن الطعام،
لكنّه يعلّمنا أيضًا أن نصوم عن العبث بالقيم،
وعن تحويل المقدّس إلى وسيلة شهرة.

فاحذروا جوع الشهرة إن صرفكم عن التركيز على من أنتم،
فالإنسان بلا معنى…
أشدُّ جوعًا من صائمٍ لم يفطر.

شاركها.
اترك تعليقاً