القصة الثامنة عشر
جوعٌ آخر
لم تكن ليلى تجهل قدسية رمضان، لكنها كانت تتعامل معه كفرصةٍ مختلفة.
كانت تقول في سرّها: “إذا كانوا يصومون عن الطعام، فهل يستطيعون الصوم عن رغباتهم؟”
كانت تنشر صورها في الانستغرام بعباراتٍ مواربة، تجمع بين التدين الظاهري والإيحاء الخفي. تختار كلماتها بعناية، وتردّ على الرسائل الخاصة بنبرةٍ تُشعل الفضول ولا تُظهر التورّط. لم تكن تبحث عن حب، بل عن انتصار… عن شعورٍ بأنها قادرة على تحريك القلوب بكلمة.
في رمضان تحديداً، كانت تزداد جرأة.
تعرف أن النفس تكون أضعف حين تجوع، وأن بعض القلوب تصوم عن الطعام ولا تصوم عن النظر والتخيّل.
كان يصلها سيلٌ من الرسائل: رجالٌ متزوجون، شبابٌ في بداية الطريق، عبارات إعجابٍ مكسوّة بآياتٍ أحياناً، وبأدعيةٍ أحياناً أخرى. وكانت تبتسم أمام الشاشة.
تشعر أن خيطاً غير مرئيٍّ يشدّهم نحوها… خطوةً بعد خطوة.
لكن في إحدى الليالي، وبينما كانت تتصفح التعليقات، توقفت عند رسالةٍ مختلفة:
“كنتُ أظنني أقوى من ضعفي، حتى بدأتُ أراسلك. أدركت أنني أقترب من طريقٍ لا يُرضي الله. سامحيني، سأحذف الحساب.”
تجمدت أصابعها.
لم تكن معتادةً أن ينسحب أحد.
هي التي كانت تقود اللعبة، لا العكس.
أغلقت الهاتف، لكنها لم تستطع إغلاق الفكرة التي تسللت إلى قلبها:
ماذا لو كانت سبباً في بيتٍ يتصدع؟
ماذا لو كانت رسالةٌ منها تشعل فتنةً لا تراها؟
في صلاة التراويح تلك الليلة، سمعت الإمام يقرأ:
“ولا تتبعوا خطوات الشيطان.”
توقفت عند كلمة خطوات.
ليست قفزةً واحدة… بل درجات صغيرة، تبدأ بصورة، ثم رسالة، ثم تعلق، ثم سقوط.
عادت إلى بيتها، ونظرت إلى نفسها طويلاً.
كانت تظن أنها تتسلى في أن تختبر الآخرين، لكنها في الحقيقة كانت تختبر قلبها.
وكان جوع الاهتمام أخطر من جوع الجسد.
في اليوم التالي، حذفت صورها المثيرة للجدل، وأغلقت باب الرسائل، وكتبت منشوراً مختلفاً:
“رمضان ليس شهراً لإثبات قدرتنا على إغواء بعضنا، بل لإثبات قدرتنا على كبح أنفسنا.”
لم يكن التغيير سهلاً، لكنّه كان صادقاً.
ثم قالت :
ليس كل جوعٍ يُرى.
هناك جوعُ شهوةٍ يتخفّى خلف الشاشات، وجوعُ إعجابٍ يلبس ثوب المزاح.
ورمضان لا يطلب منّا أن نصوم عن الطعام فحسب، بل أن نصوم عن اتباع خطوات الشيطان… صغيرةً كانت أم كبيرة.
فاحذروا الخطوة الأولى،
فإن أكثر السقوط يبدأ بها.

