الحلقة السابعة والعشرون

العنوان: جوع الموهبة

في أحد الأحياء البسيطة، كان يعيش طفل اسمه ياسر.
لم يكن يشبه كثيرًا أقرانه. كانوا يركضون خلف الكرة، أما هو فكان يركض خلف الأفكار.

إذا وجد ورقة في الطريق التقطها، وإذا وجد قلمًا مكسورًا أصلحه، ثم يجلس في زاوية البيت يرسم… يرسم أشياء لا يفهمها أحد.

يرسم جسورًا طويلة… ومبانٍ عالية… وأجهزة غريبة تشبه الأحلام.

لكن أباه كان يقول كلما رآه:
“اترك هذه الخربشات… لن تُطعمك خبزًا.”

وأمه كانت تجمع أوراقه أحيانًا وتقول:
“ركز على دراستك… هذه أشياء لا فائدة منها.”

كان ياسر يطوي أوراقه بصمت… ويخفيها تحت وسادته.

جاء رمضان.

وفي يوم قبل آذان المغرب بقليل، كان الجوع قد اشتد في البيت.
لا طعام جاهز بعد… والكل ينتظر الأذان.

جلس ياسر قرب النافذة ممسكًا قلمًا قصيرًا جدًا… وبدأ يرسم على كرتونة قديمة.

كان يشعر بجوعين في داخله:

جوع البطن…
وجوع الموهبة التي لا تجد من يراها.

تذكر كلام معلمه في المدرسة يومًا حين قال:

“في بعض الدول في الغرب يهتمون حتى بعُشر الموهبة… يبحثون عنها ويشجعونها حتى تكبر.
أما نحن… فكثيرًا ما نترك الموهبة الكاملة تموت لأننا لم نهتم بها.”

لم يفهم ياسر يومها كل الكلام… لكنه شعر به في قلبه.

مرت السنوات.

لم يشترِ له أبوه أدوات رسم…
ولم يسأله أحد ماذا يحب.

لكن ياسر لم يترك قلمه.

كان يرسم على الدفاتر القديمة… وعلى الكراتين… وأحيانًا على الرمل.

وكان كلما ضاق به الحال يقول لنفسه:

“سأتوكّل على الله… ثم أعمل بجد.”

كان يعلم أن التوكل على الله لا يعني الانتظار فقط… بل السعي والتعب والمحاولة.

كبر ياسر…

وفي يوم علّق الناس لوحة كبيرة في المدينة.
كانت صورة مبنى ضخم صممه مهندس عربي شاب وفاز بجائزة عالمية.

تجمع الناس يقرأون الاسم المكتوب تحت الصورة:

المهندس: ياسر عبد الرحمن.

وقف الأب طويلًا أمام اللوحة.

كانت في الرسم نفس الخطوط التي كان يراها قديمًا على الكراتين…
نفس الأحلام التي كان يسميها يومًا “خربشات”.

أما ياسر فكان في مقابلة تلفزيونية.

سأله المذيع:
“من اكتشف موهبتك؟”

ابتسم قليلًا وقال:

“موهبتي عاشت رغم الجوع…
جوع الفقر…
وجوع الاهتمام.”

ثم قال رسالة هادئة وصلت إلى قلوب كثير من الآباء:

“أرجوكم… لا تستخفوا بمواهب أطفالكم. ادعموهم وشجعوهم

ثم التفت للشباب وقال:

“وإن لم تجدوا من يدعمكم… فلا تيأسوا.
توكّلوا على الله… ثم اعملوا بجد.
ازرعوا مواهبكم بأنفسكم.”

وختم كلمته قائلاً:

“فلكل مجتهدٍ نصيب… حتى لو بدأ الطريق بجوع.

شاركها.
اترك تعليقاً