الحلقة الثامنة والعشرون

حتى عشاق القهوة

أنا امرأةٌ تعشق القهوة…
عشقًا لا يشبه العادات العابرة، بل يشبه الحنين القديم الذي يسكن الروح.

قبل رمضان، كانت القهوة أول صباحي وآخر مساءي.
كنت أستيقظ على رائحتها، كأنها توقظ قلبي قبل عينيّ.
وكان فنجانها الصغير يضع في يومي شيئًا من الطمأنينة، كأن العالم يمكن احتماله ما دامت القهوة بقربي.

لكن رمضان جاء…
وجاء معه جوعٌ مختلف.

في الصباحات الرمضانية أجلس قرب النافذة، والبيت هادئ كأنه يصوم معي.
تمر الساعات بطيئة، ويخطر طيف القهوة في خاطري فجأة.
أتذكر رائحتها، دفئها، ذلك البخار الصاعد من الفنجان كأنّه دعوة خفية.

فأبتسم لنفسي وأقول:
ما أغرب هذا الاشتياق… أن تجوعي إلى فنجان!

لكن رمضان يربّي القلب بلطف.
يعلّمني أن أهدأ، وأن أترك بعض ما أحبّ قليلًا، لأتعلم الصبر عليه.

فأصرف قلبي إلى ما هو أجمل:
إلى القرآن، إلى الدعاء، إلى سكون النهار الذي يهدّئ الروح.
وأكتشف أن النفس حين تصفو… تهدأ حتى أشواقها الصغيرة.

ثم يقترب المغرب.

يتسلل إلى قلبي شعور طفولي جميل…
كأنني على موعد مع صديقةٍ قديمة.

أتذكرها من يد أمي

من يد أختي ومن أيدي الأصدقاء

للقهوة حنين ممزوح بطعم العشق وطعم الذكريات

بعد الإفطار بقليل، أضع القهوة على النار ببطء.
أراقبها وهي تفور، وتملأ المطبخ برائحتها التي أعرفها جيدًا.
وفي تلك اللحظة أدرك شيئًا بسيطًا لكنه عميق:

أن القهوة لم تكن أجمل من قبل…
لكن الصبر هو الذي جعل طعمها أجمل.

آخذ أول رشفة،
فأغمض عينيّ قليلًا…

وأبتسم.

في رمضان، حتى عشاق القهوة يجوعون…
لكن رمضان يعلّمنا أن بعض الاشتياق يجعل اللقاء أكثر دفأ.

شاركها.
اترك تعليقاً