الحلقة الرابعة

حين يجوع الصبر

كان يوسف يعود من عمله قبيل المغرب بدقائق،
والإرهاق يتقدّم خطاه.

الطريق مزدحم،
والحرارة مرتفعة،
وساعة السيارة تذكّره بأن الآذان لم يحن بعد.

كان يشعر بالجوع، نعم،
لكن ما كان يثقل صدره أكثر من الجوع هو ذلك التوتر الذي يتسلل إليه كل يوم في هذا الوقت تحديدًا.

دخل البيت، فاستقبلته أصوات أطفاله المتداخلة.
سؤال هنا، خلاف صغير هناك، وطلب عاجل لا يحتمل التأجيل.

لم يكن شيءٌ خارجًا عن المألوف.
لكن أعصابه لم تعد تحتمل.

رفع صوته فجأة.

سكت الجميع.

الصمت الذي أعقب الصوت كان أقسى من الجوع نفسه.

نظر إلى وجوههم.
عينان متسعتان دهشة،
ويد صغيرة توقفت في الهواء،
وزوجة تحاول أن تُعيد ترتيب المشهد بابتسامة متعبة.

جلس في مكانه،
وشعر بشيءٍ ينقبض في داخله.

تذكّر أنه صائم.

ليس الامتناع عن الطعام فحسب،
بل الامتناع عن الأذى.

ما فائدة أن يجوع الجسد،
إن كان اللسان يشبع من القسوة؟

اقترب منه ابنه الأصغر بعد لحظات، وجلس إلى جواره دون كلام.
مدّ يده الصغيرة إلى يده.

في تلك اللمسة، أدرك يوسف أن الجوع الحقيقي لم يكن في معدته،
بل في صبره.

الجوع يكشف هشاشتنا.
يعرّي طباعنا التي نخفيها حين نكون مرتاحين.

حين تجوع المعدة،
يتراجع التجمّل،
وتظهر الحقيقة.

عند الآذان، شرب ماءه ببطء.
شعر بأن الارتواء لا يكون دائمًا في الحلق،
بل في القلب حين يهدأ.

نظر إلى أسرته، وقال بصوتٍ منخفض:
“سامحوني.”

كانت كلمة صغيرة،
لكنها أشبعت شيئًا أكبر من الطعام.

فالصيام ليس اختبارًا لقدرة المعدة على الاحتمال،
بل لقدرة النفس على الضبط.

فمن نحن…
حين يجوع صبرنا؟

شاركها.
اترك تعليقاً