في الماضي، كان الإنسان يبحث عن الطبيب عندما يمرض، وعن المختص عندما يريد الاستثمار، وعن العالم عندما يسأل في الدين، وعن الإعلامي عندما يريد الخبر. أما اليوم، فيكفي أن تفتح هاتفك لتجد الجميع يتحدثون في كل شيء، والجميع يقدمون النصيحة، والجميع تقريباً يطلبون منك أن تثق بهم!
نحن أمام ظاهرة لم تعد مجرد فوضى في المحتوى، بل تحولت إلى إشكالية في مفهوم الاختصاص والثقة والمسؤولية. فهذه المنصات أخرجت لنا من ينصح بالاستثمار دون تأهيل، وآخر يتحدث في الطب والتجميل، وثالث يفسر الأحلام، ورابع ينصّب نفسه ناقداً رياضياً ، وخامس يقدم نفسه شاعراً ، حتى وصل الأمر إلى من يلقب نفسه «إعلامياً » لمجرد امتلاكه حساباً وكاميرا.
المشكلة ليست في أن يتحدث الإنسان عن تجربته أو يبدي رأيه، وإنما في أن يتحول الرأي إلى حقيقة، والتجربة إلى وصفة، والإعلان إلى نصيحة، وعدد المتابعين إلى شهادة مهنية.
والأكثر إزعاجاً أن بعض المشهد الإعلامي أصبح قائماً على البحث عن فلاشات الكاميرات، وحضور المناسبات، وصناعة الألقاب، بينما يتسابق بعض المتسلقين إلى الترويج لمن يملك الحضور لا لمن يملك المعرفة.
الإعلام ليس صورة أمام الكاميرا، والاختصاص ليس لقباً يُمنح في منصات التواصل. فالإعلامي الحقيقي يعرف قيمة المعلومة، ويتحقق منها، ويدرك مسؤولية الكلمة التي تصل إلى آلاف المتابعين.
نحن لا نحتاج إلى منع أحد من التعبير، بل نحتاج إلى وعي يفرّق بين الشهرة والاختصاص، وبين التأثير والمسؤولية، وبين الرأي والمعلومة.
فليس كل من امتلك منصة أصبح خبيراً ، وليس كل من جمع المتابعين أصبح إعلامياً ، وليس كل من ظهر أمام الكاميرا يستحق أن يكون مرجعاً .
فالمنصات مفتوحة للجميع، لكن الثقة ليست حقاً مكتسباً بعدد المتابعين. امنحوا الاختصاص لأهله، والإعلام لمن يعرف مسؤولية الكلمة، والفتوى لمن يملك علمها، والنصيحة لمن يملك خبرتها. ولا تجعلوا من الشهرة شهادة، ولا من الكاميرا مهنة، ولا من المتابعين ختماً على صحة ما يُقال.
وفي زمن يستطيع فيه أي شخص أن يتحدث إلى الملايين، أصبحت مسؤوليتنا أكبر: أن نسأل قبل أن نصدق، وأن نتحقق قبل أن ننشر، وأن نضع كل إنسان في مجاله الحقيقي. فالكلمة قد تنتهي عند صاحبها، لكنها قد تبدأ حياةً كاملة عند من صدّقها.

