الحلقة السادسة عشر

قبل أن يؤذن الفجر

لم تكن ريم تبحث عن حب.
كانت فقط تبحث عن كلمةٍ دافئة في يومٍ بارد.

زوجها رجل طيب، لكنه مشغول، صامت، لا يجيد التعبير. وكانت هي امرأة تمتلئ قلباً وكلاماً، ولا تجد من يسمعه. في ليلة عادية، فتحت الفيس بوك بدافع الملل… فجاءتها رسالة من رجل .

بدأ الحديث بسيطاً: تعليق على منشور ديني، سؤال عن كتاب، دعاء لطيف في نهاية كل محادثة. كان يعرف كيف يختار كلماته، كيف يقول لها:
“واضح أنكِ مختلفة… روحك نقية.”

لم يقل أحبكِ.
لكنه قال ما هو أخطر من الحب… قال ما كانت تحتاج أن تسمعه.

صارت تنتظر إشعاره. تبتسم إذا ظهر اسمه. تضيق إذا تأخر.
لم يكن بينهما لقاء، لكن قلبها بدأ يخرج من بيتها خطوةً خطوة.

كان يحدثها عن تعاسته مع زوجته، عن الوحدة التي يعيشها، عن حلمه بزواجٍ يمنحه السكينة. ثم قالها ذات مساء:
“أفكر أن أتزوجك بعد أن أرتب أموري.”

تعلّقت بالوعد كما يتعلق الغريق بخشبة.
لم تكن تحبه هو… كانت تحب الصورة التي رسمها لها: امرأة مختارة، مرغوبة، مختلفة.

ولكي تدفعه إلى الجدية، أوهمته بأنها تطلقت من زوجها، وأنها تنتظر أن يفي بوعده. لحظتها تغير صوته. صار متردداً، مؤجلاً، غامضاً. لم يكن مستعداً لامرأة حقيقية… كان يريد امرأة سرية، حلماً خلف شاشة.

ثم جاء رمضان.

في أول قيام، سمعت الإمام يقرأ:
“ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.”

شعرت أن الآية تناديها باسمها.
هذا الذي في قلبك… أليس من الباطن؟

في ليالي الصيام، حين يجوع الجسد، تصحو الروح. رأت زوجها يضحك مع أطفالهما، يتعب لأجلهم، يحاول بطريقته البسيطة أن يكون كافياً. أدركت أنها كانت على وشك أن تهدم بيتها من أجل جوع وهمٍ لا يحتمل النور.

اختفى الرجل حين شعر أنها لم تعد لعبة مؤجلة.
وانكشف السراب قبل أن يتحول إلى فضيحة.

في ليلة السادس عشر من رمضان، سجدت طويلاً وبكت. لم تبكِ حباً ضائعاً… بل نجاةً أُعطيت لها قبل السقوط.

دخلت حسابها، وأعطته حظرا وأغلقت باباً في قلبها.
وعرفت أن التعلق لا يبدأ بعشقٍ صاخب،
بل يبدأ بكلمةٍ في وقت ضعف…
وبفراغٍ لم يُملأ بطاعة.

وكان رمضان رحمةً سبقت خراباً…
ولطفَ الله كان أحنَّ عليها من شهوة جوع في قلبها .

شاركها.
اترك تعليقاً