الحلقة السابعة

كرسيٌّ فارغ

في كلّ مساء من رمضان، كانت المائدة تكتمل قبل الآذان بدقائق.
الأطباق مصطفّة، الماء بارد، التمر في وسط الطاولة، والدعاء يتقدّم الوجوه.

وكان هناك كرسيّ لا يجلس عليه أحد.

لم يكن فارغًا من الغياب…
بل ممتلئًا بالذكرى.

منذ عامٍ فقط، كان يجلس عليه رجلٌ يفتتح الإفطار بدعابة، ويختمه بدعاءٍ طويل.
يملأ البيت صوتًا وحضورًا.
ثم رحل… فجأة… دون وداعٍ طويل.

منذ ذلك اليوم، لم يجرؤ أحد على نقل الكرسيّ من مكانه.
بقي كما هو،
كأنهم يخشون أن يعترفوا أن الحياة تمضي.

في الليلة السابعة من رمضان، جلس الابن الأكبر مكان والده لأول مرة.
لم يقصد.
فقط لم ينتبه.

ساد صمت ثقيل.

نظرت الأمّ إلى الكرسيّ،
ثم إلى ابنها،
ثم قالت بهدوءٍ موجع:
“رحمه الله.”

لم تبكِ.
لكن عينيها امتلأتا بما هو أعمق من الدموع.

كان الجوع هذه الليلة مختلفًا.
لم يكن جوع طعام،
بل جوع صوتٍ افتقدوه،
وجوع يدٍ كانت تمتدّ بالدعاء قبل أن تمتدّ إلى التمر.

قال الابن في نفسه:
“كم مرة جلستُ بجواره ولم أنتبه إلى أنه نعمة؟
كم مرة استعجلت الآذان، ولم أستمع إلى دعائه كاملًا؟”

الفراغ يعلّم ما لا تعلّمه الوفرة.

بعد الصلاة، فتح الابن هاتفه،
استمع إلى تسجيلٍ قديم بصوت أبيه وهو يقرأ:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
(آل عمران: 185)

توقّف طويلًا عند الآية.

ذائقة.
كما يذوق الصائم طعامه بعد طول حرمان.
وكأن الموت ذوقٌ آخر…
مرٌّ… لكنه حقّ.

عاد إلى المائدة، وأدار الكرسيّ قليلًا،
لا ليزيله،
بل ليجعله جزءًا من الحلقة، لا مركزها.

وقال بصوتٍ ثابت:
“لن يبقى الكرسيّ فارغًا…
سنملؤه بدعائه.”

ومنذ تلك الليلة، صاروا قبل الإفطار يذكرون دعاءه،
ويبتسمون حين يتذكّرون طرفته،
ويأكلون دون أن يتحوّل الغياب إلى حجرٍ فوق صدورهم.

فهموا أن بعض الجوع لا يُشبع بعودة من رحل،
لكن يُخفَّف بذكره الجميل.

رمضان يذكّرنا أن المقاعد قد تفرغ،
لكن الأثر لا يفرغ.

وأن الكراسيّ الفارغة حولنا
ليست دائمًا نقصًا…
بل دعوةً لأن نملأ حياتنا بمن نحبّ قبل أن يصبحوا ذكرى.

شاركها.
اترك تعليقاً