دار الحديث في مجلس اعتاد أهله أن يناقشوا مختلف القضايا. تعددت الآراء وتباينت المواقف حتى انتقل الحديث إلى تصرف أصبح مألوفًا بينهم، فقال أحد الحاضرين: هذا حرام.
قاطعه آخر قائلًا: يا أخي الناس تطورت، وأنت ما زلت تقول هذا حلال وهذا حرام. احترم الآخرين وآراءهم
فأجابه بهدوء: وأين احترام رأيي؟
لم يكن قد أساء إلى أحد أو حاول فرض قناعته على الآخرين، بل عبّر عما يؤمن به، فإذا به يجد نفسه مطالبًا بالدفاع عن حقه في التعبير. بدا المجلس الذي اتسع لآراء شتى عاجزًا عن تقبل رأي واحد، لا لأنه انتقص من أحد، بل لأنه خالف ما اعتادوا عليه.
استمر الحديث بين الحاضرين، لكن ذلك الموقف كشف تناقضًا يتجاوز حدود المجلس. فنحن نتحدث كثيرًا عن احترام الاختلاف وحرية الرأي ونردد أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ثم نضيق بما لا يوافق أهواءنا. نطلب من الآخرين تقبل اختياراتنا، لكننا لا نمنح المساحة ذاتها لمن يتمسك بمبادئه وقناعاته.
لقد تغيرت الحياة وتطورت وسائلها، وهذا أمر لا خلاف فيه. غير أن تطور الحياة لا يجعل شيوع الممارسات دليلًا على صحتها، ولا يمنح العادات الجديدة سلطة تغيير ما ثبت من أحكام الدين. فهناك أحكام لا تتبدل بتبدل الأذواق، ومسائل تتسع للاجتهاد واختلاف الفهم؟
ومن حق الإنسان أن يناقش ويسأل ويتثبت، كما أن من واجب من يتحدث في الحلال والحرام أن يتحرى العلم ويتحلى بالحكمة. فالنصيحة لا تعني الإساءة والتمسك بالدين لا يبيح التجريح. لكن الاعتراض على أسلوب النصح شيء، والسخرية من أصل الالتزام بالدين شيء آخر.
عاد المجلس إلى أحاديثه المعتادة، وبقيت عبارة «احترم آراء الآخرين» تحمل تناقضها. فمن يطالب بحقه في التعبير لا يملك أن ينكره على غيره، ومن يدعو إلى احترام الاختلاف لا يصح أن يجعل هذا الاحترام حكرًا على الآراء التي توافقه.
إن كان احترام الاختلاف مبدأ نؤمن به فلا ينبغي أن نختار من يستحقه وفق أهوائنا، ولا أن نجعل من تغير الزمن مبررًا للتخلي عما نؤمن به.
ويبقى الخلاف أعمق من كلمة قيلت في مجلس، فالقضية ليست في اختلاف الآراء، بل في تناقض مواقفنا منها. نطالب باحترام قناعاتنا، ثم نضيق بمن يتمسك بقناعته إذا خالفت ما اعتدناه.
تابعنا على

