الحلقة الخامسة عشر:
من ذاكرة الطفولة
كنتُ صغيرة يومها،
لكن المشهد كبر معي… ولم يكبر عليه الزمن.
كنا مجتمعين في فناء البيت؛
أنا وإخوتي وبعض أبناء الجيران.
وضعت أمي طبقًا كبيرًا من الفاكهة في الوسط،
وكان الموز يلمع بلونه الأصفر كأنه شمسٌ صغيرة بين أيدينا.
ما إن وُضع الطبق حتى اندفعت الأيدي.
ضحكات، تزاحم، أصوات فرح.
كل طفلٍ خطف موزة وكأنه فاز بغنيمة.
إلا واحدًا.
كان يجلس بهدوءٍ على طرف الدائرة.
طفل يتيم، نحيل الجسد، واسع العينين.
لم يمد يده.
ظننتُه مؤدبًا أكثر منّا.
اقتربتُ منه وقلت:
“لماذا لم تأخذ موزًا؟”
نظر إليّ باستغرابٍ صادق وسأل:
“ما هو؟”
ضحكتُ أولًا.
ظننتُه يمزح.
أشرتُ إلى الثمرة وقلت:
“هذا… الموز.”
تأملها كأنها شيءٌ غريب هبط من السماء، ثم قال بخجل:
“ما طعمه؟”
قلتُ بحماس الأطفال:
“حلو… طري… كأنه الزبدة!”
سكت قليلًا، ثم سأل سؤالًا مزّق شيئًا داخلي:
“وما هي الزبدة؟”
في تلك اللحظة، لم يعد الطبق أمامي فاكهة.
صار مرآة.
مرآة لطفلٍ لا يعرف طعم الموز،
ولا شكل الزبدة،
ولا معنى أن تختار بين فاكهتين.
ناولته موزة بيدٍ مرتجفة.
أمسكها بحذرٍ كأنه يخاف أن تُسحب منه.
قشّرها ببطءٍ متردد، ثم قضَم قضمة صغيرة.
لم يبتسم.
لم يقفز فرحًا.
اكتفى بأن قال بهدوءٍ عميق:
“حلو…”
كلمة واحدة…
لكنها خرجت من جوعٍ قديم.
في تلك الليلة، بكيتُ بكاءً لم أفهمه آنذاك.
لم أبكِ لأنه يتيم فقط،
بل لأنني اكتشفتُ أن هناك من يعيش بيننا
ولا يعرف أبسط ما نظنه بديهيًا.
كبرتُ،
وكلما جاء رمضان، عاد وجهه إليّ.
نحن نصوم ساعاتٍ فنشعر بالجوع،
ثم نجلس إلى موائد عامرة.
لكن هناك من لا يصوم عن الطعام…
بل يصوم عنه عمرًا كاملًا.
ذاك الطفل لم يكن يجوع للموز فقط.
كان يجوع ليدٍ تربّت على كتفه،
لأبٍ يشتري له فاكهة دون أن يسأل عن السعر،
لإحساسٍ أنه ليس أقل من أحد.
أيها المتصدقون والمتصدقات هل أطعمتم فما أم قلبا؟
أن تُطعم جائعًا لا يعني أن تسدّ معدته فحسب،
بل أن تحمي قلبه من شعور النقص.
في كل مرة أرى موزًا،
أتذكر سؤالًا صغيرًا هزّ عالمي:
“ما هي الزبدة؟”
ومن يومها فهمتُ
أن أقسى أنواع الجوع
ليس أن لا تجد الطعام…
بل أن لا تعرف اسمه.

