عديدة هي المشكلات التي تعانيها المدن كالتلوث المروري والاختناقات المرورية التي تهدد صحة الأفراد، إلا أن التقدم التكنولوجي يسعى لتحقيق بيئة صحية بعيدة عن كافة المنغصات، وأول أهداف التكنولوجيا هو إحداث ثورة تكنولوجية في قطاع النقل وتطوير بنيته التحتية، فهل تستطيع التكنولوجيا إنقاذ المدينة من منغصاتها؟

الاختناقات والحلول التكنولوجية

شهد القرن الماضي تغييرات ضئيلة في منظومة النقل دون حدوث أي تقدم ضمن بنيتها التحتية، إلا أننا نشهد حالياً تغييرا إيجابيا يغير يكون القرن الماضي عبر ما يحققه التطور التكنولوجي الذي يمهد لحدوث ثورة تكنولوجية ستحسن قطاع النقل تحسناً كبيرا بفضل التغييرات الجذرية التي من الممكن أن تحدثها به، فما وصلت إليه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والدراسات التحليلية وغيرها من أشكال التقدم التكنولوجي تساعد في تشكيل ثورة تكنولوجية تغير مجرة قطاع النقل بشكل جذري.

بالتالي هناك عدة عوامل من شأنها دفع عجلة التغيير الجذري الذي يحدثه التقدم التكنولوجي سواء بمجال الاتصالات والمعلومات أو الاختناقات المرورية أو تحليل البيانات والترابط والدراسات التحليلية، والتنسيق الفعال بين هذه العوامل يمكنه أن يسهم بظهور وسائل نقل أكثر جودة وأمانا وكفاءة واستدامة، فلنذهب معا للتعرف عليها من خلال سطور مقالنا التالي.

عوامل التغيير

تبادل المعلومات الإلكترونية يعتبر من العوامل المساهمة بتغيير قطاع النقل وبنيته التحتية والقضاء على ظاهرة الاختناقات لما يوفره من ميزات عدة تساعد في دفع عجلة تطوير الاقتصاد التشاركي، فالتشارك الإلكتروني يساهم في تيسير عملية المواءمة بين العرض والطلب.

فيما يعتبر التقدم بالمجال الكهربائي أيضاً من العوامل المساعدة في التغيير الجذري بقطاع النقل وبنيته التحتية، فالبطاريات الحديثة وإمكانيات الشحن ذو السرعة العالية، فضلاً عن المركبات الكهربائية الناشئة عن التكنولوجيا الكهربائية ستصبح البديل الدائم والمستدام قريباً.

ومن العوامل التي ستقود دفة التغيير بمنظومة قطاع النقل والاختناقات المرورية وتسهم في القضاء على ظاهرة الاختناقات لدينا القيادة الذاتية فقد تحدثت كبرى شركات تصنيع السيارات إضافة لشركات البرمجيات أنها ستطلق قريبا سيارات ذاتية القيادة، كما أنه من المتوقع فرضها لتكون إلزامية قبل حلول عام ٢٠٥٠م، فيما تتمتع غالبية المركبات حالياً بأنظمة تحكم محدودة تتعلق بحفظ السلامة كالمكابح التي تعمل آلياً، والقدرة على التحكم بعجلة القيادة، فضلاً عن السيطرة على سرعة المحرك.

المركبات ذاتية القيادة الآمنة

قواعد السلامة التي تلزم مصممي المركبات على اتباعها في التصميم جيد اليوم إلا أن ما ترمي إليه القيادة الذاتية من تحقيق درجة أكبر من الأمان يخلق لدينا نظاماً أكثر أماناً داخل المركبات ما يؤدي لظهور مركبات جديدة ذات وزن أخف بشكل ملحوظ، وهنا تكمن أهمية خفة الوزن التي تتجلى بزيادة فعالية الدفع الكهربائي نتيجة لتخفيف جهد البطاريات بشكل ملحوظ.

كما أن زيادة عدد المركبات ذاتية القيادة من شأنه أن يخفف من الاختناقات المرورية يمكن أن يشجع على المشاركة بركوب المركبات الجذابة، بالتالي تدنى نسبة ملكية المركبات ما يؤدي إلى المساهمة على قتل الاختناقات، فإتاحة السيارات ذاتية القيادة تيسر موضوع تشارك السيارات الأكثر جاذبية، وفي حال تحقيق هذا الهدف بالتشارك بدلاً من الملكية فمن المتوقع تخفيض نسبة التنقلات بالسيارات والرحلات أو السفر.

من الممكن أن تندحر وتتناقص رغبة العديد من المستهلكين بامتلاك السيارات، في حال أتيحت مركبات ذاتية القيادة بشكل متنوع وبأسعار منافسة للملكية أو تضاهيها، فهنا يمكن أن تخلق لدنيا رغبة بالتمتع بسيارة خاصة في مواعدة على سبيل المثال مع تأمين بديل مرضٍ للتنقلات الاعتيادية أو للتوجه إلى العمل.

التحول الرقمي في السعودية.. خطى ثابتة وآمال كبيرة

مدن بمساحات صغيرة

كما أنه من المتوقع إنشاء مدن صغيرة مستدامة ضمن مساحات محدودة وبالتالي تخفيف الاختناقات المرورية بحيث تتمتع بمقومات تجعلها صالحة للحياة فيها، وذلك بفضل التغييرات المترافقة لإلزام وسائل النقل العام على اتباع مسارات رئيسية فضلاً عن تنفيذ سياسات من شأنها إبراز اهمية الاستخدام المختلط للأراضي (التخطيط العمراني).

إلا أن تأثير الابتكارات الرقمية ليس بالضرورة أن يكون إيجابياً لتحقيق تنقلات سفر أكثر استدامة، بل يمكن أن تكون له انعكاسات سلبية تزيد من حدة أزمات النقل والاختناقات الموجودة في المدن، فالاعتماد على وسائل النقل الكهربائية قد يخفض من استعمال السيارات بالتالي يخلق حالة من الاختناقات والازدحام في المدن فتصبح غير صالحة للعيش فيها.

تحديات المركبات ذاتية القيادة

استعمال المركبات ذاتية القيادة يواجه عدة تحديات في حال عدم ملاءمتها للعمل ضمن بيئة مختلطة، فعلى سبيل المثال المشاة مخالفو السير إضافة للسائقين الجاهلين بقيادة السيارات العادية، من الممكن أن يربكوا السيارات ذاتية القيادة ويوقفوها، ومن هنا تكمن أهمية تحويل معظم السيارات في هذا الطريق لمركبات ذاتية القيادة.

وعلى ذلك فإن استخدام المركبات ذاتية القيادة قد يعود بالكثير من الفوائد والمنافع على المجتمع وأفراده، إلا أن عدم توافر الحوافز السياسية يلغي حافز الأفراد الكافي على تشجيع استعمال المركبات ذاتية القيادة، في حال كانت غالبية المركبات الأخرى تقليدية.

كما أن المركبات ذاتية القيادة تخفف الاختناقات المرورية وتجعل عملية القيادة أمرا سهلا لا تعب أو جهد فيه وهذا ما يحفز على السفر والتنقل الضواحي المدينة ما يمكن أن يؤدي لخلق ظاهرة متزايدة من الزحف العشوائي إلى المدن، وفي حال ترافقت هذه النتيجة بتحقيق التشارك السهل بركوب السيارات فإن ذلك يفضي لتبعات غير مرغوبة منها الاختناقات المرورية التي تحول وسائل النقل العام إلى وسائل غير مجدية.

سياسات ضرورية

السيارات ذاتية القيادة نعمة إذا أُحسن اتباع السياسات الخاصة بها، فيما تكون نقمة في حال تجاهلها لتلك السياسات، على سبيل المثال الحوافز المجدية للسياسات وقوائم التسعير الصحيحة لها أهمية كبيرة في استخراج النتائج الإيجابية والفوائد الحقيقية من التقدم التكنولوجي، من هذه السياسات يمكن ذكر فرض ضريبة الانبعاثات الكربونية التي تشجع التكنولوجيا خفيفة الانبعاثات الكربونية بالتالي نعمل على تحقيق وسط صحي خال من الكربون، كما أن لفرض الضريبة المرورية أهمية للقضاء على الاختناقات فضلاً عن الحد من ظهور وسائل النقل التي تتنقل بكافة الاتجاهات وهي خالية من الركاب للتهرب من الرسوم والوقوف.

وهنا لابد من طرح موضوع هام وهو العدالة في الخدمة بأقل التكاليف ضمن وسط يتمتع بتقدم تكنولوجي ملحوظ، فكيف لنا أن نحقق ذلك؟ وماهي الإجراءات التي يمكن اتباعها؟

لا شك أن توجيه الدعم الحكومي المباشر للمستخدمين هو الحل الأمثل لمعالجة الاختناقات المرورية وذلك بدلا من أشكال الحلول الأخرى كالمركبات.

خاتمة

الاختناقات المرورية يلزمها الابتكار في مجال النقل وبنيته التحتية سيف ذو حدين، فهو أمر دقيق ويحتاج لدراسة جيدة، ليكون التغيير إيجابيا ويحقق النتيجة المرجوة، والطموح بمستقبل نقل أفضل يستحق منا التفكير بجدية والجهد على جعل نتائج التقنيات الحديثة مثمرة إيجابية، فالتروي والتخطيط قد يخلق لنا أفضل وسائل النقل ضمن المدينة وبما يحقق ابتعادا كاملاً عن الاختناقات المرورية وحالات التلوث المروري، كما أنها من الممكن أن تبني لنا مدنا ضمن مساحات صغيرة وصالحة للحياة وذلك عبر اتباع سياسات التخطيط العمراني.

شاركها.
اترك تعليقاً إلغاء الرد

© حقوق النشر محفوظة 2026 | لصحيفة البوابة

Exit mobile version