” أنا أقوى من المخدرات،جرعة واحدة لا تؤثر، الحياة قصيرة لذا سأستمتع”
هكذا بدأت رحلتي مع الإدمان تلك العبارات التي كنت أرددها حتى أحظى بالمتعة الزائفة بل القاتلة، ردتها كي أُقنع نفسي بأني أستطيع التوقف في الوقت الذي أرغب فيه،كنت أظن بأن التوقف مجرد كلمة تقال فينتهي كل شيء فكانت سراب.
“اليوم فقط سأتعاطى” ويوم بعد يوم حتى أصبحت كومة من السنين البالية،كانت متعة يوم بل ساعات ، فتحت بها دون إدراك بوابات الألم والضياع، أتهاوى و أسقط كورقةِ خريفٍ ممزقةٍ ملقاةٍ على الأرض ، سقوط يجر سقوط حتى أصبحت لا أشعر بالحياة ولا بنفسي، سبات المشاعر ، والخوف المميت، ورحيل الأمل، وغربة الذات هي قيودي التي تشتد في كل يوم حتى أصبحت جزء من الظلام، أزيد جرعة التعاطي حتى أرى تلك القيود مجرد أساور، وذلك الظلام لا بأس فيه، لكن سرعان ما تتلاشى وترجع تلك القيود مجدداً بل و أشد من قبلها.
“اليوم أشعر بأنني لست بخير لذلك سأتعاطى حتى أنسى و أستمتع قليلاً اليوم فقط” اليوم وأي يوم بسببه لم أعد أعرف الأيام”حتى أنسى” ليتني عشت بالذكريات، ليتني تصارعت مع أمواج المشكلات، أدركت أخيرًا كم هي مفيدة وكم هي بسيطة، تُراودني تساؤلات ماذا جنيت من الهروب ؟ وماذا حققت ؟أصبحت أنا بذاتي معظلة وقضية ورواية تُحكى ولا تصدق أحداثها من سوء ما رأيت ، لم تكن المشكلات حروب موجهة ضدي بل كانت رسائل تحفزني للنضج والصمود، أين هي تلك العثرات ؟
ليتني غصت معها و تقبلتها،أما اليوم أصبح وجودي مهددًا بأي لحظة، أرتدي الكفن وكيف لا وأنا أواجه حتفي في كل ثانية.
“نرتاح يوماً” كان يومًا سرق مني باقي السنين،كان يوماً خطف مني الحياة ،وباقي الأيام ارتطمت بجدار الخيبات،حينها علمت أنني تخليت عن مستقبلي وحياتي مقابل متعةٍ حمقاء في ذلك اليوم المشؤوم .
نعم تسببت في فتح نوافذ الدمار، ولكن لست وحدي المسؤؤل عن ذلك، فالصراعات التي تحدث داخل الأسرة،ومشحانات الوالدين،والإهمالٌ العائليّ والإنشغالٌ الدائم، وكأني إحدى لوحات المنزل التي يتم النظر إليها بين الحين والآخر هي الفجوة القاصمة ، كم مرة وضعت يداي الصغيرة على أذناي حتى لا أسمع صراخهم و سببابهم، كل منهم يلقي اللوم على الآخر،لكل منهم معركته ، وأنا في الوسط لا أعرف إلى من سأتوجه ومن سيحنو عليّ، بل وأصبحت أحد أسلحتهم ، يعطونني كل شيء حتى أصبحت الأشياء لا قيمة لها، يعتقدون أن الحب بالشراء وبكومة كماليات،وكلما زاد العطاء المجرد من الاحتواء زاد الملل، وشعرت بالوحدة أكثر، ليس هذا ما أتمناه، لن ينفعني ولن يغني ولن يشبع حاجاتي إلى التواجد والمواجدة، ليتهم علموني كيف أقول لا،ليتهم أنفقوا على تدريبي مهارات تحصنني من القلوب التي لا تعرف الرحمة، تعلمت على الأخذ الهش،لم أتعلم كيف أميز ما بين جيد و مابين رديء، وبسبب جهلي وقعت فريسة أصحاب السوء، وقعت بشراك الشياطين بل و أشد مكراً منهم.
كم كنت خائفًا و مازلت، الخوف هو من يدفعني للإختباء خلف المخدرات وأسوار الضياع، هو من جعلني أتيه بالعتمة، لم أكن أدرك ذلك الشعور فقط ، بل كان شيئًا ما يجْثُ على صدري يجعلني أهرب، وكأنني أتدحرج على أشواك الندم ، حتى سقطتُ في بئر الخوف، حيث الظلام الدامس والكوابيس وصدى الموت يلاحقني، والصراخ الذي لا يسمع والرجوع المبتور ، أصدقاء المخدرات ليسوا إلا متسلقين، لا صحبة في التعاطي،كلنا نرتدي الأقنعة التي تُوصِلُنا إلى المخدرات،و هذا الأهم والرابط الذي يجمعنا، نتحول لذئاب بسبب رغبتنا الملحة في التعاطي،لا نرى إلا ما يشبع تلك الرغبة،و منهم من يستغل رغبتنا وشرهتنا في التعاطي، ومنهم من يجعلنا جسر للوصول إلى مبتغاه الوضيع الذي انعدم فيه الضمير،نصبح مجرد أدوات لا قيمة لها بعد وقت قصير ، سأبوح بأمر مهم رغم قساوته، عندما أتعاطى السم أصبح كقطعة معدنية غزاها الصدأ، تراها في الخرابات مرمية حتى من يراها يركلها إلى الجانب الآخر،هذا ما يحدث عندما يتم ركلي بعد التعاطي لا أتحرك، الجسد أصبح كالتمثال،و الروح تنادي من بعيد لعلها لا ترغب بالإنضمام إليّ بهذه الحالة، ومن المحتمل أنها تبكي حينما أنام في الشارع، ويحرق خدي المنعم بالتراب ،ما أقسى الهوان وما أصعب أن تذل لمادة تقتلك وأن تكون عبداً لمن يعطيك، أنادي بأن تحدث معجزة ما تغير مجرى حياتي، أنادي كي يأخذ بيدي ويخرجني من وحل المخدرات، أتمنى أن تكون قضيتي من الأولويات، وأن يتصدى الجميع لهذه الآفة، والحفاظ على الأبناء حتى لا يلبسوا تلك النظارة الحمقاء كما فعلت، أصرخ لعل صوتي يصل إلى مسامعكم، أنا بحاجة إلى قلوب تتقبلني،وصدور تحتضنني لا تُهلمني ، وتجعلني أهرب من نظراتكم التي تحمل عدم التقبل و الإتهامات.
أنا مريض وهذه حقيقة تخفى على البعض،لا توصموني بالعار، فلا عار بمرض، أنا أحمل جبال من الآهات والمعاناة والفقد، أبكي في كل ثانية لكني أختبأ دوماً حتى لا يرى بكائي أحد ويقول لي أنت السبب.
وبعد تلك الرحلة القاسية والسنين الماضية أنادي كي أتعافى ، وأجد تلك الإبتسامات التي لطالما تمنيت أن أراها بوجوهكم، فقط تقبلوني حتى أجد طريق التعافي، وأستمر به ، دعوني أعبر من خلالكم وأستمد قوة الشفاء منكم، أنا متأكد أنكم معي بقلوبكم و بأيديكم الممتدة إلى السماء.
تابعنا على

