الحلقة الخامسة
حين يجوع الضمير
منذ بداية رمضان، لم يهدأ قلب مروان.
كان يصلي مع الناس، ويجلس بينهم عند الإفطار، ويبتسم حين تلتقي العيون.
لم يكن في مظهره ما يدل على اضطراب.
لكن داخله كان ممتلئًا بصوتٍ لا يصمت.
قبل أشهر، أخطأ.
تجاوز حقًّا ليس له، وقَبِل لنفسه تبريرًا مريحًا.
نام ليلتها مطمئنًا، ثم مرّت الأيام، حتى جاء رمضان.
ظنّ أن الجوع سيشغله،
لكن الامتناع عن الطعام فتح أبوابًا أخرى.
كلما خلا بنفسه، عاد إليه الموقف.
الكلمة التي قالها،
والتوقيع الذي وضعه،
والصمت الذي اختاره.
في أحد الأيام، وقف في صلاة التراويح، فقرأ الإمام قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
من القرآن الكريم، سورة الأعراف (85)
شعر أن الآية لم تُتْلَ على الجمع،
بل نزلت على قلبه وحده.
“ولا تبخسوا الناس أشياءهم.”
ليست كلمات طويلة،
لكنها كانت كافية لتوقظ ما حاول دفنه.
عند الإفطار، جلس أمام طعامه.
الجوع في معدته يلحّ،
لكن الجوع في ضميره كان أشد.
الماء يطفئ عطش الحلق،
أما الحقّ فلا يرويه إلا ردّه.
في تلك الليلة، جلس طويلًا في صمت.
أمسك هاتفه، وكتب رسالة، ثم مسحها.
أعاد الكتابة، وتردد.
الاعتراف يُشعر الإنسان بصِغَرِه لحظة،
لكنه يعيده كبيرًا في عيني نفسه.
أغمض عينيه، ثم كتب:
“أخطأت في حقك، وأريد أن أُعيد الأمر كما كان.”
ضغط زر الإرسال،
وشعر بأن صدره يتّسع.
لم تُمحَ اللحظة السابقة،
لكن الضمير بدأ يشبع.
في رمضان، يجوع الجسد ليتذكر ضعفه،
ويجوع الضمير ليتذكر عدله.
فبعض الجوع رحمة،
وبعض الاعتراف نجاة.
فمن نحن…
حين يجوع ضميرنا إلى الحق؟

