لم يعد ممكنًا التعامل مع الاعتداءات التي تنطلق من الأراضي العراقية بواسطة ميليشيات إرهابية موالية لإيران باعتبارها حوادث أمنية عابرة، أو أعمالاً منفصلة يتم التبرؤ منها أو يمكن احتواؤها ببيانات الإدانة والوعود الدبلوماسية. فاستهداف المملكة اعتداء مباشر على سيادتها وأمن مواطنيها ومنشآتها الحيوية، ومحاولة متعمدة لنقل الفوضى التي صنعتها إيران في عدد من دول المنطقة إلى المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي.
لقد مارست المملكة، طوال السنوات الماضية، أعلى درجات ضبط النفس، وحرصت على منع توسع الصراعات خصوصًا بين الأشقاء العرب، كما دعمت استقرار العراق ووحدته وسيادته وانفتاحه على محيطه العربي. غير أن ضبط النفس لا يعني أبدًا إلغاء حق الدفاع عن الدولة ومقدراتها، كما أن ذلك لا يفرض على المملكة أن تنتظر حتى تتحول الصواريخ العبثية والطائرات المسيّرة إلى خطر يهدد مدنها ومشروعاتها التنموية واقتصادها الوطني.
إن القراءة الموضوعية للحقائق تؤكد على أن الرد السعودي ضد مصادر الاعتداء لم يكن خياراً انفعالياً أو ردة فعل مستعجلة، ولا حتى رغبة في التصعيد، وإنما ضرورة سيادية وقانونية وأمنية. فالدولة التي تتعرض للهجوم تملك الحق الكامل في حماية أرضها ومواطنيها، وتعطيل كل القدرات المستخدمة ضدها بهدف منع تكرار العدوان، وأي حديث عن مطالبة المملكة بعدم الرد بحجة الحفاظ على سيادة العراق ليست إلا قلبًا للحقائق وتناسين لماضٍ من التجاوزات والتهديدات الفعلية والحرب الكلامية ومنح فرصة للمعتدين لكي يتمادوا في عبثهم الذي يهدد استقرار المنطقة وموارد العالم على الرغم من التصدي البطولي للدفاعات السعودية.
السيادة العراقية لا تُنتهك عندما ترد المملكة على ميليشيا مسلحة تعمل ضد سيادة بلدها بل وساهمت في الاعتداء على أجزاء منه كما أنها سمحت ومنحت دولة أخرى حق اتخاذ قرار الحرب والسلم بدلا ً عنها واضعة القرار العراقي في خدمة المشروع الإيراني.
المملكة اليوم هي في صف العراق وليست ضده، ولا يمكن لحجة السيادة وعدم التصعيد أن تتحول إلى عذر لتبرير جرائم الميليشيات الإرهابية أو لمنحها الحصانة وهي تمارس عدوانها من داخل دولة العراق وتعتقد أنها قادرة على أن تعود إلى قواعدها مطمئنة وتفلت كل مرة من العقاب.
المملكة لم ولن تستهدف العراق، ولا تحمل للشعب العراقي الشقيق إلا كل احترام وتقدير، وهي لم تكن يومًا طرفًا في مشروع لإضعاف دولته أو تقسيم مجتمعه. على العكس، دعمت الرياض استقرار العراق وعروبته واقتصاده وعلاقاته الطبيعية مع جيرانه بل ومدت يدها له استثماريًا وأمنيًا واقتصاديًا وأعادت فتح غالبية المنافذ البرية تسهيلًا لحركة البضائع والأفراد. لكن الأخوة العربية لا تعني القبول بأن تتحول الأراضي العراقية إلى قاعدة مُتقدمة للحرس الثوري الإيراني، ولا أن تدفع المملكة ثمن عجز المؤسسات العراقية عن ضبط السلاح المنفلت.
الرد السعودي يجب أن يُفهم في سياقه الصحيح: استهداف دقيق ومحدود لمصدر الخطر وليس عمل انتقامي أو اعتداء على العراق أو انتقاص من سيادته بل ردع لمصدر الخطر المتمثل في الميليشيات المنفلتة ومن يقف وراءها، كما أنها ليست دعوة للحرب أو التصعيد وإنما رسالة واضحة أن السلاح الشرعي لا يمكن إلا أن يكون بيد الدولة، وأن العلاقات بين الدول لا يجب أن تظل رهينة أوامر عابرة للحدود.
إن ترك العدوان بلا ثمن لا يصنع السلام، وإنما يشجع على التمادي، وقد أثبت تاريخ المنطقة بما لا يدع مجالاً للشك أن الميليشيات لا تفهم لغة الحكمة ولذا فإن الحزم السعودي ليس مجرد رد عسكري، وإنما إعلان سياسي واستراتيجي بأن مرحلة جديدة تتشكل؛ مرحلة لا يُسمح فيها للميليشيات بأن تعتدي ثم تختبئ، ولا لإيران بأن تحارب المملكة بأذرعها ثم تتنصل من المسؤولية، ولا لأي طرف بأن يطالب باحترام سيادةٍ انتهكتها الميليشيات قبل غيرها.
ولعل من المُفارقات المضحكة، ما رافق عملية الرد السعودي على عدوان الميليشيات من مزاعم إيرانية وطائفية أن الاستهدافات طالت النجف وكربلاء، وهو ما لم تأتي على ذكره لا رئاسة الجمهورية العراقية ولا حكومتها ولا مجلس نوابها ولا مرجعياتها الدينية، وهو ما يُثبت حقيقة ارتهان تلك الميليشيات الإرهابية بأجندة إيران التي تسعى لترسيخ الطائفية بأبشع صورها حتى وإن كان ذلك على حساب الشعب العراقي التوّاق للأمن والاستقرار والعيش بسلام.
المملكة دولة سلام، لكنها دولة لها قدرة على الردع ومُهابة حتى حين تختار الحياد وأن تمد يدها للتعاون، فهي لا تسمح أبدًا بتهديد أمنها. وصبرها من موقع قوة وصلابة وثقة.
أمن السعودية خط أحمر ومن يفكر في الاعتداء عليها عليه أن يتحمل العواقب لأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى!
أمن السعودية خط أحمر ومن يفكر في الاعتداء عليها عليه أن يتحمل العواقب لأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى!
تابعنا على

