أمل العنزي

لا تبدأ قوة الدولة من لحظة استخدام السلاح بل من اللحظة التي تعرف فيها كيف تصنعه وتطوره وتحافظ على جاهزيته.
فالفرق كبير بين وطن يشتري معداته ووطن يمتلك المعرفة التي تقف خلفها. الأول يملك منتجًا قد يتغير أو تنتهي فاعليته مع الزمن أما الثاني فيملك عقلًا وخبرة وقدرة على التطوير والاستمرار.
هذا هو التحول الذي تشهده المملكة العربية السعودية في قطاع الصناعات العسكرية. لم تعد المسألة مرتبطة بشراء منظومات دفاعية متقدمة فقط بل ببناء قطاع وطني يجمع الصناعة والتقنية والبحث والتدريب ويضع الإنسان السعودي في قلبه .

إن رؤية السعودية 2030 تعاملت مع الصناعات العسكرية باعتبارها مشروعًا للأمن والاقتصاد والمعرفة في وقت واحد. فالهدف المعلن هو توطين أكثر من 50 في المئة من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030 وقد ارتفعت نسبة التوطين من نحو 4 في المئة عام 2018 إلى 24.89 في المئة بنهاية عام 2024
هذه النسبة ليست مجرد رقم في تقرير. هي مصانع تنشأ وشركات وطنية تنمو وتقنيات تنتقل وخبرات تبقى داخل المملكة ووظائف تفتح أمام أبنائها وبناتها.

فالصناعة العسكرية اليوم لا تعني السلاح فقط ، خلفها مجالات واسعة تشمل الطيران والهندسة والإلكترونيات والاتصالات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة والصناعات البحرية وسلاسل الإمداد والخدمات الفنية؛لهذا فإن تطوير هذا القطاع لا يبني قدرة دفاعية فحسب بل يفتح أبوابًا جديدة للاقتصاد السعودي ويمنح الجامعات ومراكز الأبحاث فرصة لتطوير برامجها بما يتناسب مع احتياجات المستقبل.

وتستهدف المملكة من خلال هذا القطاع توفير 40 ألف وظيفة مباشرة و60 ألف وظيفة غير مباشرة. وهذا يؤكد أننا لا نتحدث عن مصانع محدودة بل عن منظومة وطنية يمكن أن تصبح رافدًا مهمًا للاقتصاد ومجالًا واسعًا للابتكار ، فإن القيمة الحقيقية لهذه الصناعة لا تقاس بعدد المباني وخطوط الإنتاج وحدها بل بالعقول التي تديرها. بالمهندس السعودي الذي يصمم ويطور وبالباحث الذي يختبر ويبتكر وبالمبرمج الذي يعمل على أنظمة حساسة وبالطالبة السعودية التي قد تصبح جزءًا من فريق يصنع تقنية دفاعية وطنية ، فالتوطين الحقيقي ليس أن نصنع قطعة داخل المملكة فقط. التوطين الحقيقي أن نمتلك المعرفة والخبرة وأن نكون قادرين على مواصلة التطوير بأيدينا.
كما أن بناء صناعة عسكرية وطنية لا يعني الانغلاق عن العالم. المملكة تدخل في شراكات دولية متوازنة تستفيد من الخبرات وتنقل التقنية وتطور الموردين المحليين وتحول العقود من عمليات شراء إلى فرص لبناء قدرات طويلة المدى
الأمن هو الأرض التي تقف عليها التنمية. فلا اقتصاد يزدهر ولا استثمار يستقر ولا مشروع يكبر من دون وطن قادر على حماية حدوده وقراره ومعلوماته وبنيته التحتية ومكتسباته.
وما يجري اليوم في الصناعات العسكرية السعودية ليس سباقًا لامتلاك السلاح بل مشروع لبناء دولة أقوى واقتصاد أكثر تنوعًا ومعرفة تبقى داخل الوطن

المملكة لا تشتري أمنها فقط بل تصنعه ،ولا تبني مصانع عسكرية فحسب، بل تبني استقلالًا وخبرة وثقة ومستقبلًا يليق بها .

شاركها.
اترك تعليقاً