نعيش في زمن لم يعد فيه أحد بعيدًا عنا. اجتمع العالم كله في شاشة صغيرة نحملها بين أيدينا. أخبار الناس وصورهم ونجاحاتهم وأسفارهم وحتى أدق تفاصيل أيامهم تصل إلينا في اللحظة نفسها وكأننا نعيش معهم وتحت سقف واحد ،نستيقظ فنفتح هواتفنا قبل أن نفتح نوافذنا على الحياة. نعرف من تزوج ومن سافر ومن اشترى منزلًا ومن بدأ مشروعًا ومن خسر ومن عاد. نحفظ وجوه أشخاص لم نلتق بهم ونعرف أصواتهم وتحركاتهم وأسلوب حديثهم وربما نحفظ قصصهم أكثر مما نحفظ تفاصيل أيامنا. نعرفهم جيدًا بينما هم لا يعرفون شيئًا عن وجودنا
لكننا عندما نغلق الشاشة ونبقى وحدنا قد لا نعرف ماذا نريد وعن ماذا نبحث وإلى أين نسير !!

وهنا تبدأ المشكلة
ليست المشكلة في المعرفة ولا في متابعة ما يحدث حولنا. فالإنسان بطبيعته يحب الاطلاع ويحتاج إلى التواصل ويحمل شيئًا من الفضول تجاه العالم. لكن الخطر يبدأ عندما يعرف الإنسان الآخرين أكثر مما يعرف نفسه وعندما تمتلئ روحه بأخبارهم فلا يبقى فيها متسع لصوته وأحلامه وأسئلته ،نرى الإنجاز مكتملًا ولا نرى الخوف الذي سبقه ولا الفشل الذي مر به صاحبه ولا الأبواب التي أغلقت في وجهه. نقارن بداياتنا بنتائج الآخرين ونقارن حياتنا الحقيقية بصور اختيرت بعناية ثم نشعر أننا متأخرون وأن ما نملكه لا يكفي ،ومع تكرار المقارنة يتخلى الإنسان عن نفسه دون أن يشعر. يحب ما يحبه الناس ويسعى إلى ما يصفقون له ويختار طريقًا لم يكن يومًا طريقه. يصبح حبيس نظرة الآخرين ويظن أن رغباتهم هي رغباته وأن أحلامهم هي أحلامه ، قد يعرف أكثر الموضوعات تداولًا لكنه لا يعرف ما الذي يمنحه السلام. يستطيع الحديث طويلًا عن حياة الناس لكنه يعجز عن تكوين جملة صادقة عن نفسه. ماذا يحب وماذا يريد وأي طريق يناسبه بعيدًا عن التصفيق والمقارنة وانتظار القبول . إن معرفة النفس ليست ترفًا فكريًا، بل نجاة فمعرفة نفسك يعني أن تفرق بين رغبتك ورغبة الآخرين وبين ما تحبه حقًا وما تعودت أن تدعي حبه وبين الطريق الذي اخترته والطريق الذي دفعتك إليه المقارنات. أن تعرف مواطن قوتك دون غرور ونقاط ضعفك دون احتقار .
نحن بحاجة إلى مساحة من الصمت القوي. مساحة نغلق فيها أبواب الضجيج ونعود إلى داخلنا. لحظات نجلس فيها مع أنفسنا بلا شاشة ولا جمهور. نسأل قلوبنا ماذا أتعبها ونسأل أرواحنا ماذا فقدت ونسأل أيامنا هل نعيشها كما نريد أم كما يريد الناس أن يرونا .

لقد أصبح الخبر الجديد عن الآخرين مصدرًا للمتعة وأصبحنا نتسابق في معرفة تفاصيلهم بينما تمضي أعمارنا في المراقبة. والخبر الذي يفوتنا نستطيع معرفته لاحقًا أما اللحظة التي تضيع من أعمارنا فلن تعود .

ليس المطلوب أن نعتزل العالم، بل أن نوازن , أن نأخذ منه ما ينفعنا وأن نفرح لنجاح الآخرين دون أن نجعل نجاحهم يحتقر بداياتنا. أن نتابع الحياة دون أن نتحول إلى متفرجين عليها
العالم لن يتوقف عن الكلام والصور لن تنتهي والأخبار ستظل تتدفق من كل اتجاه. لكن الإنسان الواعي هو من يعرف متى يغلق النافذة المفتوحة على الآخرين ويفتح بابًا نحو نفسه
فأقسى ما قد يعيشه الإنسان ليس أن يجهله الناس بل أن يعيش عمرًا كاملًا وهو يجهل نفسه.

شاركها.
اترك تعليقاً