في الوقت الذي تتسابق فيه الجهات والمؤسسات على تقديم المبادرات والفعاليات المجتمعية، تبرز قضية تستحق الوقوف أمامها بجدية:
هل أصبحت قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة أحياناً وسيلة للظهور الإعلامي، بدلاً من أن تكون هدفاً حقيقياً للتمكين والدعم؟
لا شك أن حضور الأشخاص ذوي الإعاقة في الفعاليات والمناسبات العامة، وإبراز إنجازاتهم ومواهبهم، يمثل خطوة إيجابية نحو مجتمع أكثر شمولاً ، إلا أن الإشكالية تظهر عندما تُقام بعض الفعاليات تحت عناوين مرتبطة بذوي الإعاقة، دون أن تكون مرتبطة بجهات أو جمعيات متخصصة تملك الخبرة والمعرفة الكافية باحتياجاتهم وحقوقهم.
فالتعامل مع قضايا الإعاقة ليس مجرد إضافة فقرة في برنامج فعالية، أو التقاط صورة مع أحد الأشخاص ذوي الإعاقة، أو وضع شعار يحمل عبارات إنسانية مؤثرة. القضية أكبر من ذلك بكثير، فهي مسؤولية تتطلب معرفة ووعياً واحتراماً للخصوصية والكرامة، وإشراكاً حقيقياً في التخطيط والتنفيذ، وليس مجرد حضور شكلي يمنح الفعالية بعداً إعلامياً.
وتزداد المسألة حساسية عندما تنتقل إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت بعض القصص والصور والمقاطع المتعلقة بالأشخاص ذوي الإعاقة مادة سهلة لجذب المشاهدات والتفاعل. وهنا يجب أن نتساءل: هل يُنشر المحتوى بهدف دعم الشخص وإبراز قدراته وإنجازاته، أم بهدف صناعة مشهد عاطفي يحقق الانتشار لصاحب الحساب؟
إن تحويل الإعاقة إلى مادة للاستدرار العاطفي أو زيادة المشاهدات، أو تصوير الأشخاص دون مراعاة خصوصيتهم وموافقتهم، قد يحوّل العمل الذي يفترض أن يكون إنسانياً إلى نوع من الاستغلال غير المباشر، حتى وإن رُفع تحت شعارات جميلة.
ومن المهم هنا التأكيد أن النقد لا يستهدف الفعاليات المجتمعية أو صناع المحتوى بشكل عام، فهناك مبادرات وجهود وطنية مخلصة تستحق الإشادة، وإنما يستهدف الممارسات التي تجعل الشخص ذا الإعاقة وسيلة لتحقيق هدف إعلامي أو تجاري أو شخصي.
إن المسؤولية تبدأ من احترام الإنسان قبل أي عنوان آخر. ومن حق الأشخاص ذوي الإعاقة أن يكونوا شركاء في المشهد، لا مجرد ضيوف عليه؛ وأن تُروى قصصهم بإرادتهم، وأن تُبرز إنجازاتهم دون شفقة، وأن تُتاح لهم الفرص دون أن تتحول إعاقتهم إلى عنوان رئيسي يختزل شخصياتهم وقدراتهم.
كما أن الجهات المنظمة للفعاليات مطالبة بأن تكون أكثر وعياً في هذا الجانب، وأن تستعين بالجهات والجمعيات المتخصصة عند تنظيم البرامج والمبادرات ذات العلاقة بالإعاقة، بما يضمن أن تكون المشاركة مبنية على أسس مهنية وإنسانية، لا على اجتهادات فردية أو أهداف دعائية.
أما في فضاء التواصل الاجتماعي، فالمطلوب من صناع المحتوى أن يدركوا أن المشاهدات لا تمنح أحداً الحق في تجاوز خصوصية الآخرين، وأن الصورة التي تحقق آلاف المشاهدات قد تترك أثراً نفسياً لا يُرى خلف الشاشة.
وفي النهاية، فإن معيار نجاح أي فعالية أو مبادرة تخص الأشخاص ذوي الإعاقة ليس عدد الصور المنشورة، ولا حجم التفاعل، ولا عدد المتابعين الذين شاهدوا المقطع؛ بل مقدار الأثر الحقيقي الذي تركته في حياة الأشخاص الذين استهدفتهم.
ذوو الإعاقة ليسوا مادة إعلامية، ولا وسيلة للانتشار، ولا عنواناً موسمياً للفعاليات، إنهم شركاء في المجتمع، لهم حقوقهم وكرامتهم وصوتهم، ومن واجب الجميع أن يحترم ذلك.
والوعي الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من التعاطف مع الإعاقة إلى احترام الإنسان، ومن استعراض المشاركة إلى صناعة التمكين.

