الحلقة الثانية والعشرون
الحذاء الجائع
في ليلةٍ بعيدة، انشقّ الفضاء عن مركبةٍ غريبة هبطت بهدوء على أطراف الأرض.
خرج منها كائن فضائي يحمل مهمة عجيبة:
أن يصنع حذاءً لا يهترئ مدى العمر.
لكن سر هذا الحذاء كان مظلماً…
فالمادة الوحيدة التي يمكن أن تصنعه هي جلد الإنسان.
كان الكائن مقتنعاً أنه إذا نجح في صنع حذاء لا يتلف أبداً، فسوف يثبت أن البشر ضعفاء لا يصلحون للبقاء، وعندها سيعود إلى قومه ليخبرهم أن الأرض جاهزة للتدمير.
انتشر الخبر بين الناس، وعمّ الخوف.
لكن في بلدة صغيرة كان يعيش رجل حكيم فهم أمراً لم يفهمه الكائن.
استدعى شاباً وقال له:
“اذهب وخذ الحذاء من ذلك الكائن.”
تعجب الشاب وقال:
“وماذا أفعل به؟”
قال الحكيم بهدوء:
“البسه… وامشِ به كل ليلة… ولا تنم إلا في النهار.”
فعل الشاب ما قيل له.
صار يمشي طوال الليل… والنعاس يأكل عينيه…
ثم ينام في النهار نوماً ثقيلاً.
ومع الأيام بدأ يشعر بشيء غريب…
جوع شديد لا يهدأ.
كان يأكل كثيراً… ومع ذلك يبقى متعباً وجائعاً.
وكان الحذاء الذي يلبسه… يبدأ بالاهتراء شيئاً فشيئاً.
نظر الكائن الفضائي إلى الحذاء مذهولاً وقال:
“مستحيل! لقد صنعته ليعيش إلى الأبد!”
عندها ابتسم الحكيم وقال:
“لقد أخطأت في فهم الإنسان.”
ثم أشار إلى الشاب وقال:
“انظر إليه…”
كان الشاب مرهقاً، عيناه غائرتان، وجوعه لا ينتهي.
قال الحكيم:
“حين يقلب الإنسان فطرته… ويسهر الليل وينام النهار…
يختل جسده… ويعيش في جوع دائم.”
ثم تابع:
“ليس الجوع جوع الطعام فقط…
بل جوع الصحة… وجوع الراحة… وجوع الطمأنينة.”
وأشار إلى حكمة الله في خلقه فقال:
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾
﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾
ثم نظر إلى الكائن الفضائي وقال:
“حين عاش هذا الشاب ضد هذه الحكمة…
بدأ جسده يضعف… وبدأ الحذاء الذي يمشي به يهترئ.”
فهم الكائن الحقيقة أخيراً.
أن الإنسان حين يعيش خارج نظام الفطرة…
يعيش جوعاً لا يشبع.
عندها غادر الكائن الأرض خائباً.
أما الحكيم فقال للشاب:
“تذكر دائماً…
من يسهر الليل بلا حاجة… ويهمل سكونه…
فإن حياته تبدأ بالاهتراء ببطء…”
ثم ابتسم وقال:
“كما اهترأ… ذلك الحذاء.”

