الحلقة الثالثة والعشرون

جوع إلى أم

في طرف الحيّ القديم كانت تعيش طفلة صغيرة اسمها جنة.
لم تكن فقيرة في الطعام… لكن حياتها كانت فقيرة في شيءٍ آخر.

منذ أن ماتت أمها، صار البيت بارداً.
لم يعد أحد يوقظها لصلاة الفجر، ولا أحد يمسح شعرها، ولا أحد يقول لها قبل النوم:
“تصبحين على خير يا قلبي.”

كانت جنة تعرف الجوع… لكن ليس جوع الخبز.

جوع الحضن.

في المدرسة كانت ترى الأطفال يركضون نحو أمهاتهم بعد انتهاء الدوام.
واحدة تقبّل ابنها… وأخرى تصلح شعر ابنتها… وثالثة تمسك يد طفلها وتضحك.

كانت جنة تقف قليلاً… تنظر…
ثم تمشي وحدها.

وفي رمضان كان الجوع أشد.

فعند المغرب كانت البيوت تمتلئ بروائح الطعام، وتعلو أصوات الأمهات:
“تعالوا… الأذان سيؤذن.”

أما بيت جنة فكان صامتاً.

كانت تجلس أمام طبق صغير، وتأكل لقيمات ببطء…
لكن شيئاً في صدرها يبقى فارغاً.

وفي الليل، حين ينام الناس، كانت تسند رأسها إلى وسادتها القديمة وتبكي بصوت خافت.

وتهمس:
“يا أمي… هل ترينني؟”

كانت تتخيل أحياناً أن الباب سيُفتح…
وأن أمها ستدخل فجأة وتقول:
“سامحيني تأخرت.”

لكن الباب لم يُفتح أبداً.

وفي ليلة الثالث والعشرين من رمضان، كانت السماء هادئة والناس يتجهون إلى المساجد يلتمسون ليلة القدر.

أما جنة فكانت جالسة وحدها في زاوية البيت تبكي.

لم تكن تبكي بصوت عالٍ…
بل بكاء طفلٍ تعب من البكاء.

مرّت امرأة من الحي اسمها وردة ، فسمعت صوتها.

توقفت عند الباب…
ثم طرقته.

فتحت جنة الباب.

كانت عيناها حمراوين… ووجهها متعباً.

سألتها المرأة بلطف:
“لماذا تبكين يا صغيرتي؟”

قالت جنة بصوت مكسور:
“أنا… جائعة.”

نظرت وردة إلى المطبخ، فرأت خبزاً وبعض الطعام.

فعرفت أن الجوع ليس في المعدة…

بل في القلب.

اقتربت منها ومسحت دموعها وقالت:
“هل تسمحين لي أن أكون معك الليلة؟”

لم تجب جنة… لكنها ارتمت فجأة في حضنها.

وكأنها وجدت الحضن الذي كانت تبحث عنه منذ سنوات.

بكت طويلاً…
حتى ابتلت عباءة المرأة بدموعها.

في تلك اللحظة شعرت وردة أن قلبها ينكسر.

قالت في نفسها:
“يا رب… كم طفلٍ في الأرض جائع إلى أم.”

أخذتها معها إلى بيتها تلك الليلة.

وعند السحور، بينما كان الناس يذكرون الله ويرجون رحمته، قالت جنة:

“من اليوم… لن تنامي وحدك.”

تبنتها… وصارت لها أمّاً.

كانت تعرف أن في ذلك باباً عظيماً من أبواب الخير.

فالله سبحانه قال:

﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾

وقال أيضاً:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾

وكان النبي ﷺ يقول:

“أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين.”

كبرت جنة بعد ذلك…

لكنها لم تنسَ تلك الليلة.

ليلة الثالث والعشرين من رمضان…

حين كانت تبكي من جوع قلبها إلى أم…

فأرسل الله لها قلباً رحيماً
أشبع ذلك الجوع.

وكانت وردة تقول دائماً:

“ربما ظنت جنة أني أنقذتها من اليتم…
لكن الحقيقة…

أنها هي التي أنقذت قلبي وفتحت لي طريق الجنة

شاركها.
اترك تعليقاً