الحلقة الرابعة والعشرون

ما لم تُصوِّره الرسالة

لم يكن سالم قدّارة رجلًا مشهورًا، ولا فنانًا يسعى إلى الأضواء.
كان مجرد فنيّ كهرباء بسيط، يحمل عدته على كتفه ويصعد السلالم لإصلاح الأسلاك في البيوت والفنادق.
رجل من عامة الناس… قلبه بسيط، وإيمانه فطريّ مثل إيمان كثير من البسطاء.

في أحد الأيام ذهب إلى فندق ليصلح عطلًا كهربائيًا.
وكان في الفندق فريق تصوير يعمل على فيلم تاريخي كبير عن بدايات الإسلام.(الرسالة)
وبينما كان سالم منشغلًا بأسلاكه ومفاتيحه، لمحه المخرج، فتوقف قليلًا يتأمله.

اقترب منه وقال:
“وجهك قوي… هل تحب أن تعمل في التمثيل؟”

تفاجأ سالم، ولم يفهم كثيرًا ما يعنيه الأمر، لكنه وافق بتردد.
وهكذا وجد نفسه فجأة وسط الكاميرات والملابس التاريخية، يتعلم كيف يقف أمام العدسة، وكيف يحمل الحربة.

أخبروه أن دوره سيكون شخصية وحشي… الرجل الذي قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، عمّ رسول الله ﷺ.

كان الأمر غريبًا على قلبه، لكنه قال في نفسه:
“إنه تمثيل… مجرد قصة.”

وجاء يوم تصوير المشهد الكبير.

وقف سالم ممسكًا الحربة.
أمامه رجل يؤدي دور حمزة.
والكاميرات تحيط به من كل جانب.

رفع الحربة…
ثم توقفت يده فجأة.

ارتبك.

قال للمخرج بصوت خافت:
“لا أستطيع.”

سألوه: “لماذا؟”

قال بصدق لا يعرف التصنّع:
“هذا عمّ رسول الله… كيف أطعنه؟”

حاولوا إقناعه طويلًا.
قالوا له:
“يا سالم، هذا تمثيل فقط. نحن نروي القصة للأجيال، ليفهم الناس تاريخ الإسلام.”

ظل قلبه مترددًا…
لكنهم أقنعوه أخيرًا.

انطلق التصوير، واندفعت الحربة…
وانتهى المشهد.

مرت السنوات، وانتشر الفيلم في العالم، وشاهده الملايين.

وفي أحد البيوت البسيطة… كانت أم سالم تشاهد الفيلم.

كانت تنظر إلى الشاشة بفخر، فابنها أصبح يظهر في السينما.
لكن الفخر انقلب فجأة إلى صدمة.

جاء المشهد.

ظهر سالم على الشاشة…
يرفع الحربة…
ويطعن حمزة.

وقفت الأم مذعورة.
ثم أمسكت جرة الماء التي في البيت، ورمتها عليه وهي تصرخ:

“تقتل عمَّ رسول الله وتجلس في بيتي؟!
لا سامحك الله!”

وطردته من البيت فعلًا.

حاول سالم أن يشرح لها:
“يا أمي… هذا تمثيل.”

لكن قلبها البسيط لم يفهم الكاميرات…
ولم يفهم السينما…

كل ما فهمه قلبها أنها رأت ابنها يطعن عمَّ رسول الله ﷺ.

اضطر سالم أن يستعين بالمشايخ ليشرحوا لها أن الأمر مجرد تمثيل، وأنه لم يقصد الإساءة.

ومع ذلك…
بقي في قلبه شيء.

شيء يشبه الجوع.

ليس جوع البطن…
بل جوع الخوف من الله.

ذلك الجوع الذي يسكن قلوب البسطاء…
فيجعلهم يرتجفون حتى من ذنبٍ قد يكون في نظر الناس صغيرًا.

ومن يومها… لم يمثل سالم مرة أخرى.

كان ذلك الدور الوحيد في حياته.

عاد إلى عمله القديم فنيَّ كهرباء، يحمل عدته ويصلح الأسلاك كما كان يفعل دائمًا.
وكأن قلبه أراد أن يهرب من الأضواء، ليبقى قريبًا من بساطته الأولى.

عاش بقية عمره رجلًا عاديًا…
حتى توفي سنة 2000.

لكن قصته بقيت تذكّرنا بشيء مهم:

أن أعظم ما في الإيمان أحيانًا…
لا يكون في العقول المعقدة، ولا في النقاشات الطويلة.

بل في قلوب بسيطة
تجوع إلى رضا الله…
وتخافه حتى في الأمور التي يظنها الناس عادية.

ذلك هو الجوع الحقيقي…
جوع القلب الذي لا يريد أن يجرح حبَّه لرسول الله ﷺ

شاركها.
اترك تعليقاً