في زمن أصبح فيه العالم أقرب من أي وقت مضى، لم تعد المجتمعات تتغير عبر السنين وحدها، بل أصبحت تتغير – أحيانًا – عبر فكرة عابرة، أو صورة متداولة، أو موجة رقمية قادرة على هز القناعات، وإعادة ترتيب المسلمات. وهنا تظهر حاجة المجتمع إلى وعي يفرّق بين الانفتاح الذي يضيف إليه، والانفتاح الذي يسلبه ملامحه، وبين الثابت الذي يحفظ هويته، والجمود الذي يعطّل حركته.
ليست المشكلة في الانفتاح ذاته. فالمجتمع الحي لا ينمو بالعزلة ولا يزدهر بالانغلاق ولا يستطيع أن يواجه الحاضر بعقل يخاف من كل جديد. الانفتاح ضرورة والتجديد جزء من حركة الحياة، لكن الخطر يبدأ حين يتحول الانفتاح إلى ذوبان، وحين يصبح التغير انسلاخًا، وحين تختلط الحرية بالفوضى وباسم التطور.
إن الدين لم يكن يومًا ما قيدًا على الوعي، ولا خصمًا للحياة بل هو الإطار الذي يحفظ للإنسان كرامته، ويهذب روحه، ويمنحه حدودًا تحميه من أن يخسر ذاته قبل أن يخسر مجتمعه. وحين نتحدث عن الثابت فنحن لا نقصد الجمود ولا تقديس كل ما ورثناه، بل نقصد تلك الركائز التي تمنح المجتمع ملامحه وتمنع الإنسان من أن يصبح هشًا أمام كل موجة فكرية عابرة.
في المقابل لا يجوز أن نخلط بين الدين والعادة، ولا أن نجعل كل موروث مقدسًا لا يمس. فبعض العادات تحتاج إلى مراجعة ، وبعض التقاليد تحتاج إلى شجاعة في النظر إليها. لكن هناك قيمًا لا يصح رميها تحت عنوان العادة القديمة مثل الحياء والاحترام وصلة الرحم ومكانة الأسرة وحفظ الكرامة والشعور بالمسؤولية. هذه ليست قيودًا كما يظن البعض بل ركائز تحفظ توازن المجتمع وتمنحه معناه
لقد صنعت وسائل التواصل الاجتماعي والعالم المفتوح ضغطًا غير مسبوق على الوعي. لم تعد الأفكار تنتظر زمنًا طويلًا حتى تؤثر، بل أصبحت قادرة على تبديل القناعات ، وإضعاف المسلمات، وإعادة ترتيب الأولويات في لحظات. ولهذا يحتاج المجتمع اليوم إلى وعي يعرف ماذا يأخذ، وماذا يترك، ومتى يراجع ،ومتى يثبت.
فالمجتمع القوي ليس ذلك الذي يرفض العالم، ولا ذلك الذي يتلاشى فيه، بل هو الذي يعرف كيف ينفتح دون أن يفقد ملامحه، هو الذي يعرف أن الأصالة لا تعني الانغلاق، وأن الحرية لا تعني الانفلات، وأن الثبات الحقيقي هو أن يبقى الإنسان قادرًا على الحركة دون أن يفقد روحه.

شاركها.
اترك تعليقاً