يأتي يوم عرفة في كل عام كأنه ليس يومًا من أيام التقويم، بل وقفة عميقة في عمر الإنسان يأتي ليوقظ في القلب ما غفا تحت غبار الانشغال وليعيد الروح إلى باب الله بعد أن أتعبتها الطرق والهموم والأخطاء ففي هذا اليوم العظيم لا يقف المؤمن أمام ضعفه لييأس، بل يقف أمام رحمة الله ليعود ولا يتذكر ذنوبه ليغرق في الندم وحده، بل ليفتح باب التوبة بقلب صادق يعرف أن الله أوسع رحمة وأقرب مغفرة وأكرم من أن يرد عبدًا جاءه راجيًا منكسرًا
هو يوم تتسع فيه أبواب الرجاء ويشعر الإنسان أن العودة إلى الله لا تحتاج إلى مسافة طويلة، بل إلى قلب صادق يعرف ضعفه ولا يخجل من الانكسار بين يدي ربه قلب يوقن أن الذنب مهما كبر لا يكون أكبر من رحمة الله وأن الهم مهما اشتد لا يكون أوسع من لطفه
في يوم عرفة لا تكون العبادة مجرد أعمال تؤدى ولا حركات يعتادها الجسد، بل تصبح حالة إيمانية كاملة صيام يهذب النفس ودعاء يغسل القلب وذكر يعيد للروح طمأنينتها الأولى كأن الإنسان في هذا اليوم يخلع عنه أثقال الدنيا ويقف بين يدي الله بلا أقنعة ولا تبرير ولا مكابرة قائلا بصدق يا رب أنا عبدك الضعيف جئت أرجو رحمتك فاغفر لي وارحمني
ولعل عظمة هذا اليوم أنه يجمع في القلب معاني لا تجتمع كثيرًا الخوف والرجاء والانكسار واليقين ودمعة التوبة وابتسامة الأمل ففيه يتعلم الإنسان أن القرب من الله لا يحتاج إلى لسان فصيح بقدر ما يحتاج إلى قلب حاضر وأن الدعاء لا تقاس قيمته بجمال العبارة، بل بصدق الحاجة التي ترفعه إلى السماء.
وعلى صعيد عرفات يقف الحجاج بثياب بيضاء في مشهد يختصر حقيقة الدنيا كلها لا فرق فيه بين غني وفقير ولا بين صاحب منصب وإنسان بسيط جميعهم تحت شمس واحدة وعلى أرض واحدة يرفعون أكفهم إلى رب واحد وكأن البشرية في أصدق صورها تعترف أن الطرق مهما اختلفت تنتهي إلى الله وأن الإنسان مهما علا في الدنيا يبقى محتاجًا إلى رحمة ربه
أما من لم يكتب له الحج فليس بعيدًا عن روح عرفة فله من هذا اليوم نصيب جميل بالصيام والدعاء ومراجعة القلب له أن يفتح صفحة جديدة مع الله وأن يستغفر ويسامح ويترك ذنبًا طال به العهد وأن يؤمن أن الرحمة لا تحتاج إلى مكان بعيد بقدر ما تحتاج إلى قلب قريب.
إن يوم عرفة مدرسة إيمانية كبرى يعلمنا أن أعظم ما يملكه الإنسان ليس المال ولا الجاه ولا القوة، بل لحظة صدق بينه وبين الله لحظة ينكسر فيها القلب فيجبر ويعترف فيها العبد فيغفر له ويعود فيها التائب إلى طريق النور
ومن أجمل ما في هذا اليوم أنه يعيد ترتيب الداخل يذكرنا أن الدنيا بكل صخبها ليست الغاية وأن الهموم مهما كبرت تصغر أمام يقين العبد بربه وأن القلوب لا تهدأ بكثرة ما تملك، بل بحسن اتصالها بخالقها ففي عرفة يشعر المؤمن أن الدعاء ليس كلمات تقال، بل باب يطرق برجاء وإلحاح وأن الله أكرم من أن يرد عبدًا أقبل عليه بقلب صادق.
وفي نهاية هذا اليوم العظيم لا يخرج المؤمن كما دخل فمن ذاق لحظة صدق في عرفة عرف أن أعظم الفتوحات ليست التي تظهر في الخارج، بل التي تحدث في الداخل أن يغفر الله لك وأن يطمئن قلبك وأن تعود إليه وأن تشعر أنك لم تنس وأن باب السماء كان وما زال مفتوحًا لك.
ذلك هو يوم عرفة يوم لا يشبه الأيام لأنه لا يخاطب الجسد وحده، بل يوقظ الروح ويعيد للإنسان معنى القرب بعد طول انشغال ويمنحه يقينًا هادئًا بأن من عاد إلى الله بصدق فلن يعود خائبًا أبدا.

شاركها.
اترك تعليقاً