بقلم الكاتبة : نورة المحمدي

أفتح هاتفي فأجد مئات الرسائل على الواتساب والتليجرام. أرد على هذا تحية الصباح، وأجيب ذاك عن تساؤله. أتكلم مع عشرات الأشخاص دون صوت، ثم أغلق هاتفي فأعود وحيداً في غرفتي.

وعدتنا شبكات الإنترنت بالقرية الصغيرة، وقالت إنها ستقرب المسافات وتذيب الوحدة. لكن الذي حدث أننا صرنا نعيش في غرف زجاجية. نرى بعضنا ونسمع بعضنا، لكننا لسنا معاً حقاً. اللايك لا يعوض حضناً، والكومنت لا يغني عن سؤال بسيط: “كيف الحال؟”

في الماضي كان الناس يجتمعون في مجالسهم، يتصافحون ويتبادلون الحكايات. أما اليوم فتحولت مجالسنا إلى “ستوري”، وحكاياتنا إلى مقاطع لا تتجاوز ثوانٍ. ننشر لنقول “أنا هنا”، وننتظر تعليقاً أو إيموجي.

المفارقة أننا نعرف تفاصيل حياة أصدقاء لم نرهم منذ زمن، ولا نعرف مزاج أخينا الذي ينام في الغرفة المجاورة. قروب العائلة يشتعل بالرسائل يومياً، لكن حين نجتمع ينشغل كل واحد بهاتفه.

الوحدة اليوم ليست غياب الناس، بل غياب العمق. نحن محاطون بالكثير على الشاشات، لكننا وحيدون في الحقيقة.
فهل المشكلة في التكنولوجيا؟ أم أننا نسينا كيف نكون بشراً دون شاشة؟ ربما نحتاج أن نغلق هواتفنا أحياناً، لا هرباً من العالم بل عودة إليه. عودة للحوار البطيء، للنظرة في العين، للسؤال الذي لا يحتاج إيموجي.

لأننا في النهاية لن نتذكر عدد اللايكات، بل من سأل عنا وجلس معنا وسمع صمتنا.

وفي النهاية أتمنى أن نعود إلى البيوت التي لا تحتاج شحن، وإلى الحديث وجهاً لوجه. نعود بشراً أولاً، ثم للشاشة حين نشاء.

شاركها.
اترك تعليقاً