في زمن تتسارع فيه وسائل التواصل الاجتماعي، وتتعدد فيه المنصات والحسابات، تطفو على السطح بين حين وآخر ظواهر مؤسفة تستهدف النسيج الاجتماعي، يأتي في مقدمتها إحياء النعرات القبلية، والإسقاط على الأشخاص والقبائل، وبث خطابات الكراهية والتعصب، ومحاولة إشعال نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد.
إن ما نشهده من ممارسات عبر بعض الحسابات الداخلية والخارجية، التي تتعمد إثارة الخلافات، وتأجيج الحساسيات القبلية، وتصوير الاختلافات الفردية وكأنها صراعات بين قبائل ومكونات المجتمع، ليس مجرد سجالات عابرة أو آراء شخصية، بل سلوك يحمل في طياته خطراً على وحدة المجتمع وتماسكه، ويخدم أهدافاً لا تريد لهذا الوطن أن يبقى متماسكاً وقوياً.
والأكثر إيلاماً أن نجد بعض أبناء الوطن، عن وعي أو دون وعي، يشاركون في تأجيج هذه الظاهرة، من خلال إعادة نشر الإساءات، وتبادل الاتهامات، والدخول في مهاترات لا تخدم إلا أصحاب الأجندات المشبوهة. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لإنسان أن يعتز بوطنه، ثم يسهم بيده ولسانه في تمزيق نسيجه الاجتماعي والإساءة إلى مكوناته؟
إن القبيلة موروث أصيل، وتاريخ عريق، وقيمة اجتماعية نفخر بها جميعاً، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للتعالي أو الانتقاص من الآخرين. فكل قبائل المملكة ومناطقها ومكوناتها الاجتماعية شركاء في بناء هذا الوطن، يجمعهم تاريخ واحد، ومصير واحد، وراية واحدة. ولا فضل لإنسان على آخر إلا بعمله وأخلاقه وما يقدمه لوطنه ومجتمعه.
لقد قامت هذه البلاد المباركة على وحدة الصف، واجتماع الكلمة، والتفاف أبناء المجتمع حول قيادة واحدة وراية واحدة. وهذه اللحمة الوطنية ليست شعاراً نردده في المناسبات، بل مسؤولية نحملها في سلوكنا وأحاديثنا وما نكتبه وننشره عبر مختلف المنصات.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على الجميع؛ أفراداً وإعلاميين ومؤثرين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، في التصدي لكل خطاب يزرع الكراهية أو يسيء إلى القبائل والأشخاص، وعدم الانجرار خلف الحسابات التي تتغذى على الخلافات، مع ضرورة التحقق من المحتوى قبل تداوله، والإبلاغ عن ما يتضمن تحريضاً أو إساءة، والاحتكام إلى الأنظمة والجهات المختصة.
فليس كل ما يُنشر يستحق الرد، وليس كل استفزاز يستوجب الدخول في معركة كلامية؛ أحياناً يكون التجاهل وعياً، ويكون ضبط النفس موقفاً وطنياً، وتكون الكلمة المسؤولة أقوى من ألف جدال.
دعوة للوطن وقيادته وجنوده
وفي ختام هذا المقال، نجدد العهد والولاء لوطننا الغالي، وندعو الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية، ويديم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وأن يحفظ قيادتنا الرشيدة، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، ويمدهما بعونه وتوفيقه، وأن يسدد خطاهما لما فيه خير البلاد والعباد.
كما نسأل الله أن يحفظ جنودنا البواسل ورجال أمننا، الذين يقفون في ميادين الشرف والواجب لحماية الوطن وصون مقدراته، وأن يرد كيد كل من يتربص بأمنه واستقراره.
فلنختلف في آرائنا، ولنتنوع في أصولنا وقبائلنا، لكن لا نختلف على وطننا.
فالوطن أكبر من الأسماء والقبائل، وأبقى من الخلافات والمواقف العابرة، ورايته تجمعنا جميعاً. ومن يزرع الفتنة بين أبناء الوطن، فإنما يسيء إلى نفسه قبل أن يسيء إلى وطنه.
وحدتنا قوتنا، ولحمتنا الوطنية خط أحمر، والسعودية أولاً وأبداً.

