الحلقة الثامنة:

(سامحني)

لم يكن بينهما خصامٌ كبير.
لا قطيعة معلنة،
ولا صراخ يُروى.

فقط جملة قيلت في لحظة غضب،
وظلت معلّقة في الهواء…
سنوات.

كانا أخوين.
يكبران في بيتٍ واحد، ويصليان في مسجدٍ واحد، ويجلسان على مائدةٍ واحدة.
لكن بين قلبيهما مسافة لا تُرى.

بدأت القصة بسوء فهمٍ صغير.
كلمة فُهمت على غير قصد،
نبرة أسيء تأويلها،
كرامةٌ استيقظت قبل الحكمة.

ومنذ ذلك اليوم، صارا يتبادلان السلام ببرود،
ويؤديان الواجب دون حرارة.
لا عداوة صريحة،
لكن لا مودة صادقة.

في رمضان، كانا يجلسان متقابلين على المائدة.
تمرّ الأطباق بينهما،
وتتجنّب أعينهما الالتقاء.

كان الجوع بينهما أعمق من جوع الطعام.
جوع اعتذار لم يُقل.

في الليلةٍ الثامنة من رمضان ، وقف الإمام يقرأ:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
(آل عمران: 134)

كأن الآية لم تُقرأ للصف كله…
بل لقلبٍ واحد.

شعر بثقلٍ في صدره.
ليس لأنه مظلوم،
ولا لأنه ظالم،
بل لأنه مؤجّل.

كم مرة همّ أن يعتذر؟
وكم مرة قال: غدًا.

لكن الغد لا يأتي ما لم يُدعَ.

بعد الصلاة، وقف خارج المسجد.
رآه يخرج من الباب الآخر.
تردّد لحظة…
ثم ناداه باسمه.

توقّف.

اقترب منه بخطوات بطيئة،
وقال دون مقدّمات:
“أشتاق إليك… أكثر مما أشتاق أن أكون على حق.”

كانت الجملة بسيطة.
لكنها كسرت سنواتٍ من الصمت.

لم يطُل الحديث.
لم تُستعرض التفاصيل.
لم يُفتح سجلّ الأخطاء.

فقط تصافحا.
وكانت المصافحة هذه المرة دافئة.

في تلك الليلة، كان طعم التمر مختلفًا.
أحلى.
أخفّ على القلب.

فهم أن بعض الجوع لا يُشبع بالطعام،
بل يُشبع حين نضع كبرياءنا جانبًا.

رمضان ليس موسم امتناع فقط،
بل موسم تصحيح.

كم علاقةٍ حولنا تتأخر فيها كلمة؟
كم اعتذارًا ينتظر شجاعة؟
وكم قلبًا يصوم عن الصفح أكثر مما يصوم عن الطعام؟

قد يتأخر الاعتذار…
لكن تأخيره لا يُخفّف الجوع.

وما أكرم أن يُقال في رمضان:
سامحني.

شاركها.
اترك تعليقاً