الحلقة التاسعة:
حتى ينقطع الضوء
كان البيت ممتلئًا.
أصوات، حركة، ضحكات، أبواب تُفتح وتُغلق، رسائل هاتف تتوالى،
لكن الدفء… كان غائبًا.
كل واحدٍ يعيش في غرفته،
يخرج إلى المائدة عند الأذان،
يمدّ يده إلى الطعام،
ثم يعود إلى عالمه الخاص.
لا خصام بينهم،
ولا عداوة،
لكن شيئًا خفيًّا تسلّل عبر السنوات:
البرود.
الأب مشغول بتجارته.
الأمّ منهكة بين مسؤوليات لا تنتهي.
الأبناء غارقون في شاشاتهم.
والكلمات صارت مختصرة حدّ الجفاف.
في إحدى ليالي رمضان، انقطع التيار الكهربائي قبل الأذان بدقائق.
خفتت الأضواء،
وساد صمتٌ لم يعتادوه.
لا شاشات.
لا أخبار.
لا رسائل عاجلة.
جلسوا حول المائدة في ظلمة خفيفة،
على ضوء شمعةٍ صغيرة أخرجتها الأمّ من درجٍ قديم.
كان المشهد بسيطًا…
لكن مختلفًا.
نظر الأب إلى وجوه أبنائه كما لو أنه يراهم لأول مرة منذ زمن.
كبروا.
تغيّروا.
وصار بينهم وبينه مسافات لا تُقاس بالأمتار.
قال الابن الأصغر فجأة:
“أبي… هل كنت تخاف حين كنت في عمري؟”
كان سؤالًا عاديًا.
لكنه فتح بابًا لم يُفتح منذ سنوات.
ابتسم الأب ابتسامة خجولة،
وقال:
“كنت أخاف… وأخفي خوفي.”
تبع السؤال سؤالًا.
ثم ضحكة.
ثم حكاية قديمة.
ولأول مرة منذ زمن طويل،
لم يكن الطعام هو محور الجلسة…
بل الحديث.
حين عاد التيار بعد دقائق،
لم يُشغّل أحدٌ جهازًا.
شعروا أن شيئًا دافئًا بدأ يتكوّن بينهم.
شيئًا كانوا يجوعون إليه دون أن يعترفوا.
الجوع ليس دائمًا نقص خبز،
أحيانًا هو نقص حضور.
نقص سؤال صادق.
نقص إصغاء بلا استعجال.
رمضان لا يطفئ الأنوار في بيوتنا…
لكنه قد يطفئ انشغالنا،
ليعيد إلينا دفء الوجوه.
كم بيتٍ حولنا ممتلئٌ بالناس…
وجائعٌ إلى الدفء؟
وجوهٌ كثيرة،
لكن قلبٌ واحدٌ لا يجد من يلامسه.
ذلك هو الجوع الذي لا يُرى…
حتى ينقطع الضوء.

