الحلقة العاشرة

ويجوعون خلف الأضواء

كان يبدو ناجحًا.
ثيابه أنيقة، حضوره لافت، كلماته موزونة.
إذا دخل مجلسًا، أفسحوا له مكانًا.
وإذا تكلّم، أنصتوا.

كان نموذجًا مكتملًا في نظر الجميع.

في رمضان، كان يتبرّع بسخاء،
ينشر عبارات الوعظ،
ويظهر في صور موائد الإفطار الجماعي.
الناس يرونه قدوةً في العطاء.

لكن أحدًا لم يرَ ما كان يحدث حين يُغلق الباب خلفه.

كان يعود إلى بيته،
يجلس في صمتٍ ثقيل،
ويخلع ابتسامته كما يُخلع المعطف.

لم يكن يشعر بالرضا.
ولا بالسكينة.
ولا حتى بالقرب من الله كما كان يتمنّى.

كان جائعًا.

لا إلى المال.
ولا إلى المدح.
بل إلى معنى.

كان يخاف أن يُسأل سؤالًا بسيطًا:
“كيف حال قلبك؟”

لأنه لا يملك جوابًا واضحًا.

في الليلة العاشرة من رمضان، جلس في المسجد بعد انصراف الناس.
قرأ الإمام قوله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
(الرعد: 28)

توقّف عند الآية طويلًا.

طمأنينة.
الكلمة التي يفتقدها رغم كل ما يملك.

سأل نفسه:
متى كانت آخر مرة صلّيت لأنني أحتاج الصلاة… لا لأن الناس يرونني؟
متى دعوت الله بصدقٍ خالٍ من اللغة المنمّقة؟

اكتشف أن مظهر الصلاح لا يشبع روحًا جائعة.
وأن العمل إذا خلا من الصدق، صار قشرة بلا لبّ.

في تلك الليلة، لم يلتقط صورة.
لم ينشر عبارة.
لم يحدّث أحدًا بما فعل.

جلس وحده، ورفع يديه، وقال بصوتٍ مكسور:
“يا رب… لا أريد أن أبدو صالحًا.
أريد أن أكونه.”

كانت أول مرة يعترف فيها بجوعه الحقيقي.

رمضان لا يكشف فقر الجيوب فقط،
بل فقر القلوب.

قد يخوننا المظهر،
وقد يصدّقنا الناس،
لكن القلب يعرف.

بعض الناس
يبتسمون في العلن،
ويذبلون في السرّ.
ويجوعون خلف الأضواء.

شاركها.
اترك تعليقاً