المرأة هي الركن الآخر الرئيس في حياة البشر ولو لم تكن كذلك لما خلقها الله وأوجدها في هذه الحياة ، وهذه الأهمية لوجودها منحتها حقوق مكتسبة يجب مراعاتها والعمل على صونها وحمايتها وقبل ذلك منحها دون ذكر أي مبررات قد تحرمها منها ؛ ولكن تضاربت النظرة حول ماهية هذه الحقوق الأمر الذي تسبب في خلق اضطراب في فهم هذه الحقوق وكيفية منحها وما زاد الطين بلّة في هذا الشأن تدخل أطراف قاصرة الفكر والمنهج في هذه القضية ساهمت في تكريس الخلل في فهم حقوق المرأة وتقبلها وبالتالي منحها وعدم الاعتراض عليها.
ويتجلّى هذا الخلل فيما نراه اليوم من قصور في التعامل والنظر للمرأة وطبيعة دورها في هذه الحياة حيث نجدها وقعت بين نقيضين نقيض يريد مساواتها تماماً بالرجل في الحقوق والواجبات في تجاهل تام للاختلافات الجوهرية الفطرّية بينها وبين الرجل ، ونقيض آخر يتبنى نظرة دونية لها تحرمها من الكثير من حقوقها ويرى بأن المرأة خُلقت لخدمة الرجل وتلبية رغباته ونزواته فقط فتسبب هذا التباين الحاد في تقييم المرأة ودورها في هضم واضح لحقوقها عند كلا الطرفين.
فنحن نجد مثلاً أن الطرف الأول الذي يطالب بمساواة مطلقة بين الرجل والمرأة والذي تقوده الحركة النسوية العالمية التي أثبت الواقع أنها تخالف في مرتكزاتها الكثير من الثوابت الجامعة بين الأمم حيال الفرق بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات إلا أننا رغم ذلك نجد لها شعبية جارفة في مجتمعات عدّة، مجتمعات نراها تتبنى تماماً مطالب تلك الحركة وتتجاهل عمداً مخالفاتها فكانت النتيجة الطبيعية لتلك المفارقة في التبني والتجاهل حدوث اضطراب وارتباك في فهم حقوق المرأة وهو ما نتج عنه خلق صورة نمطية خاطئة عن طبيعة دور المرأة وحقوقها تسببت هذه الصورة في جعل أرباب هذا الطرف يؤمنون بضرورة اعتماد المرأة على نفسها في الكثير من واجبات الحياة التي عقلاً ونقلاً تعفيها منها طبيعة تكوينها الفكري والجسدي والروحي ويعفيها أيضاً الدور المحوري الذي أوجدها الله من أجله.
بينما الطرف الآخر الذي يتبنى نظرة نقص المرأة ودونيّتها مقارنةً بالرجل والذي يُمعن في الإجحاف بحقها وبحقوقها تحت ذريعة جائرة مفادها أن ثوابت ثقافته تؤمن بأن المرأة خُلقت لخدمة الرجل فقط ، فكانت نتيجة هذا الفهم القاصر القسوة مع المرأة وظلمها والتجني عليها دون أن ترى ثقافة هذا الطرف أي مثلبة في ذلك بل على العكس تراها أمور منطقية وواجبة تجعلها تعمل على تكريسها وشرعنتها والدعوة إليها بل وتربية أبنائها على تبنيها والعمل على استمرارها تحت غطاء كاذب يقول بأن الدين يأمر بذلك.
وممّا سبق يتضح بأن كلا الطرفين مجحفين غاية الإجحاف بحق المرأة وبحق دورها الحيوي والمهم في حياة الرجل بل وفي الحياة بشكل عام ، وهذا الإجحاف البيّن حتّم ضرورة وجود طرف ثالث وسطي يقوم بتقويم هذا الخلل والعمل على تصحيح هذه النظرة تجاه المرأة وتجاه حقوقها (على الأقل كلٌ في مجتمعه) وهذا ما فعلته السعودية كإحدى الجهات القليلة في هذا العالم التي تبنت مؤخراً نظرة واقعية وعقلانية تراعي حقيقة دور المرأة في حياتنا وأهمية وجودها وكيف يجب النظر إليها والتعامل معها دون إفراط ولا تفريط وذلك من خلال سنّ الكثير من القوانين والتشريعات المعنية بالمرأة وحقوقها بطريقة تم بها إغلاق كافة المآخذ السابقة المتعلقة بالمرأة السعودية والتخلص منها رغبةً في تقويم الخلل وليس رغبةً في تلبية الطلب.
والحديث في هذا الإطار لا يقول بعدم وجود بعض السلبيات في التجربة السعودية ولكن هذه هي طبيعة البشر التي لا تقول بعصمة أحد أو بكماله ما يجب أن يدفعنا لعدم تضخيم هذه السلبيات والتهويل منها متجاهلين الإيجابيات الضخمة التي تحققت في بلادنا تجاه منح المرأة حقوقها والعمل على تمكينها ، فهذا تماماً ما يدندن عليه أعداء السعودية الذين يتخذون من الدين وسيلة للمزايدة علينا لا أكثر، حيث نجدهم ينتقدون كافة الإصلاحات السعودية تجاه الكثير من القضايا ومن بينها قضية المرأة ويتباكون على الدين وكأننا قد تخلينا بهذه الإصلاحات عن الدين وثوابته وأصبحنا نغرد خارج سربه وتعاليمه.
اللافت في هذا الشأن أن معظم هؤلاء المزايدين دينياً على السعودية وشعبها نجد أن مجتمعاتهم قبل غيرها تعيش تراجعاً كبيراً في الناحية الدينية ما يستوجب على هؤلاء المزايدين إن كانوا صادقين في حبهم للدين وحرصهم على التمسك به إصلاح ما تعاني منه مجتمعاتهم من مثالب دينية يشهد بها القاصي والدان قبل الالتفات لغيرهم وانتقادهم.
ختاماً إن من نافلة القول كما أسلفت أنَّ للمرأة حقوق يجب أن تصان ويجب أن تحصل عليها ولكن في إطار ضوابط تراعي طبيعة تكوينها الخلقي والخُلقي وتراعي أيضاً الفروقات الثقافية لكل مجتمع فحقوق المرأة ليست كائناً جامداً يمكن تعميمه على الجميع دون الأخذ في الاعتبار تباين ثقافاتهم وأيديولوجياتهم وهو تباين يفترض به أن يجعل الجميع يبحث عن قواسم مشتركة تساعدهم على الوصول إلى تعريف جامع لحقوق المرأة بصفة عامة ولطبيعة هذه الحقوق بصفة خاصة كلٌ فيما يخصّه.

