يامن ارتحل عن الجسد ولم يرتحل عن الفؤاد وأوقع بالنفس كظماً سرمدياً ، للجفون سيلٌ عارمٌ من ماءِ لوعةٍ حتميّة ، أحبابنا الراحلين يشهد الله أننا لانبكيكم اعتراضًا بل حنيناً لطيوفكم الطاهرة ، توادعت الأرواح مع أحبابها ومافارقتنا ذكراهم صُبحة وعشية ، أرواح تحت الثرى قد رحلت ولم ترتحل عن أرواحِ أحيائها ، ذهبت لخالقها وتركت بخلقهِ لوعات قترية، فإلى من غادرنا وترك في أنفسنا وقعةً آسية، ويا من ظن أن الحياة قد طابت من بعده ، لقد غطى الحزن وجوه الأحياء من بعد فراقكم ولم ينسوكم ، طاب ثراكم ومقامكم وإلى جناتِ الخُلدِ مثواكم .

إن الحياة أكبر سالبة ومعلمةً وطامعةً ودَنيّة ، وإنها لتَسرقُ منّا مانهوى ونُحب، فكم اغتالت حُلماً وكَسرت نفساً وأرهقت جسداً ، ولكم داوت وأرضت ، إنها سلاحٌ ذو حدّين تارةً تُرضينا وتارة تُخيب آمالنا ، ومن فجائعها أنك قد تستيقظ مسرورًا و تمسي حزينًا ، وقد تعيش يومًا عصيبًا ويبقى ألمهُ بك دهوراً وأزمنة ، وقد تكبر بليلة مئة عام ونيّف ، في الواقع ظننتُ أنّي لن أحمل بعد رحيل والدي قلماً وورقة وسأتقوّى في مقاومة الحياة وأخوض واقعها بكل قوة ، وظننت ألا أميل لأبجدية الحُروف مجداداً ؛ حتى وإن كانت هي الملهم الأول لي ومن أشاركه انجازاتي، ولكن بعد تخمّر ألم الفقد واستيعاب أن الحياة ستمضي رغم خوضي بأحلك آلامها ، والشمس ستشرق مجداداً ولن تغربَ لحزني ، والعصافير ستخرج من حشائشها بيومٍ جديد ولن يُصبغُ الكون بشيءٍ من دهيم قلبك ، بل ستبقى مستلقيًا بقوقعتك الأدهمية رغبةً بالخلاص من واقع يومك تقاتل سهائم القَدر، وإنه لنضالٌ ثائر أن تستمر بالتعايش مع الفقد والعيش ، ومع فقد نفسك أيضًا ؛ لكن ما أركزني ونهض بي هو ذاك النذر الذي قطعتهُ على نفسي والذي عزمت فيه أن أعيش حياةً كريمةً تجعلني أفتخرُ بما تبقى من أبي فيني ، ولعل بحثك عن طريقة تُخلد بها ذكرى فقيدك ، وتدعم بها رحلة تعافيك ، وتخلق تواصلاً خفياً بينك وبينه ؛ هي تلك الكلمات التي تُأزر المكلومين الّذين فقدوا طعم الحياة وتاهوا عن طريق الأمل بين نصوص قصصهم ، لكلٍّ منّا وجعاً لايفهمه سوى من جرّبه ، ولكل منّا قصة أحدثت بالصدر كظماً سرمدياً ، وحكايةً تفاصيلها سخيّة بالعِبر والجِراح، ولِجرح الفقد دويٌّ صاعقٌ في عمق الرُوح ، كلنا مررنا بفقد ما طبع على حياتنا وحرف مسارها وعشنا تلك الخسارة الممزوجة بشعورٍ مخيف بتوقف الحياة ، ومع الأسف لم يخضع أيٌّ منا لدروسٍ تعينه على المضي قدماً بعد تجربة ذلك الشُعور، ولا تبُهت عزيزي حينما ترتاد حياتك السابقة فتحظر الإجتماعات بعد حيازة ماحزت من استجمام الإنجازات ، وستُسأل مائة مرة عن ماكسبت وملكت، ولكن لن يسألك أحدٌ قط ماذا فقدت ؟ وماهي أصعب خساراتك التي خضتها لأجل نفسك وعيشها ؟ وكم صقلك الحزن ؟ وكيف أحياك الموت من جديد ؟ ولعل أصعب ما في الفقد هو أننا نعيش الحياة بعده من جديد ، ونشعر بالخيانة العُظمى عند الحبور بهذه الدنيا ، بينما أخلاؤنا تحت التُراب ونحن في كَبد نواصل القتال بالصبر ، ونحاول اختلاس ذاك الشُعور من أجوافنا ، فارتحال الأرواح عن مُحبينها أشبع بارتحال الأمان بروح المودع ، فلا حياةٌ تُستأمن من بعدهم ، ولا بهجة دائمة ، فيبقى الجسد في ارتعاب عشوائي خوفًا من تكرار تلك الفجائع ؛ رغم أنه بعد الفجيعة الأولى لم تعد روحه كما كانت في السابق ! فإلى كل من جرب فقْدَ خليلٍ أو حبيب ، واستودع روحاً كانت منه وفيه ، أعزيك بكل العبارات التي قد توقف استنزاف ألمك ، ولكن كن واثقاً أن للحياة مسلكاً علينا جميعاً عبوره وأن الفقد شعورٌ مؤقت وليس فقداً أبديًا ، وينتظرنا حياةً بهيّة المكان ، حيث لا ألمٌ ولا جزع أو وصب ، عند ربٍ كريم رحيمٍ أرحم بمن فوق الأرض فكيف بمن تحتها ؟ وإنه لشعورٌ رهيب أن يكون لقاء الله لك أحب لك من سواه ، وإدراك حقيقة أن هذه الدُنيا ماهي إلا دار عُبور لنعمة تستحق الشكر .

شاركها.
اترك تعليقاً