أوكرانيا دولة تقع في شرق أوروبا الذي كان يتبع في يوم من الأيام لنفوذ ما كان يطلق عليه حينها الاتحاد السوفياتي وبعد تفكك هذا الإتحاد استقلت الكثير من الجمهوريات التي كانت ضمن حدوده وحلفه فرأى الغرب في ذلك فرصة ثمينة لتقزيم الدور الروسي وفي نفس الوقت لتوسيع قاعدة الدول التابعة للغرب سياسياً واقتصادياً وكان لها ما أرادت حيث بادرت الكثير من الجمهوريات السوفياتية السابقة إلى تبني معظم مباديء الرأسمالية الأمر الذي جعلها أقرب ما تكون للتحالف مع الغرب منه على البقاء ضمن النفوذ الروسي والذي كان يرى الكثير من الغربيين أن تحجيمه ممكن وقابل للتحقق حتى فاجأهم زعيم روسي جديد يُعرف عنه بأنه كان أحد أهم مخرجات ال KGB (وكالة الاستخبارات السوفياتية سابقاً) بالوقوف ضد الغرب وأمريكا تحديداً موقف الند للند ما جعل الكثير من الطموحات الغربية تصطدم بصرامة هذا الزعيم وحزمه وقوة شخصيته.
فكانت النتيجة لمثل هذا الحال شعور الغرب بالقنوط والضعف أمام حجم الصلابة وقوة الشكيمة التي أظهرها هذا الزعيم المدعو فيلاديمير بوتن والذي أجهض لوحده كافة خطط زعماء الغرب الرامية لتحييد روسيا وإضعافها ومن ثم السيطرة عليها سياسياً واقتصادياً وتتجلّى هذه الحقيقة في موقعة حديثة تمثلت في قيام بوتن بحشد الكثير من قوّاته بكامل جاهزيتها وعتادها على الحدود الأوكرانية ممّا أرعب الغرب الذين كانوا يأملون في بسط نفوذهم على الدولة الأوكرانية وضمها بالتالي لحلفهم الأطلسي إلا أن ارتباطهم بمصالح مهمة مع روسيا أبرزها “الغاز الروسي” الذي تعتاش عليه ولا تستطيع بأي حال من الأحوال الاستغناء عنه؛ منع أي تحرك عسكري حقيقي من قِبَل الدول الغربية يمكنه مواجهة الدب الروسي والتغلب عليه ولهذه الأسباب وغيرها سعوا إلى تدارك ما يمكن تداركه من خلف الستار بعد أن أيقنوا بأن مفاسد استعداء روسيا تفوق بكثير مصالحهم معها.
ويعود السبب وراء هذا التراجع الغربي في موقفه حيال أوكرانيا بالإضافة إلى الخوف على مصالحهم إلى غموض الموقف الامريكي المتخاذل حول هذه القضية والذي يرونه ساعةً يهدد ويتوعد وتارة أخرى يطالب بالتهدئة والسعي لإيجاد حلول دبلوماسية لتلك الأزمة الأمر الذي جعل الساسة الأوروبيين حين أدركوا ذلك يكتفون فقط بالتصريحات الجوفاء والتهديدات الخرقاء التي كان بوتن على يقين تام بأنها لن تتجاوز ذلك.
خلاصة القول إن هذه الواقعة أثبتت مدى هشاشة القوى الغربية وزيف الصورة التي خلقوها عن أنفسهم وأنهم قوة لا تقهر وقوة لا تتنازل عن مواقفها مهما كان حجم وقوة المتصدي لها ممّا يحثّنا على التنبّه لحقيقة ثابتة تقول أن كل من يعتمد على غيره في رعاية أمنه السياسي والاقتصادي بل وحتى الفكري سيجد نفسه إذا فقد هذا الاعتماد منهار القوى عديم القدرة على منازلة أي طرف كبر حجمه أم صغر وهذا ما يجب أن يجعل الجميع يدرك أهمية الاعتماد على النفس وكيف أنه ضرورة قصوى وأهمية حتمية تضمن بقاء الدول مستقرة ومستقلة وتجعلها معنيّة فقط بتلبية مصالح بلدها والعمل على بناء نهضته والتركيز على نموّه وازدهاره بدلاً من الدخول في مغامرات ومعارك غير محسوبة العواقب.

