الحلقة الثانية عشر

الزمن لحظة

كان يؤجّل كل شيء.

زيارة خالته المريضة…
“بعد رمضان.”
الجلوس مع أمه ساعة بلا هاتف…
“حين أفرغ.”
مكالمة صديق قديم انقطع عنه…
“في أقرب فرصة.”

كان يظن أن الوقت واسع.
وأن الأيام تتشابه.
وأن الفرص لا تنفد.

في رمضان، كان مشغولًا أكثر من أي وقت.
عمل صباحي،
موائد إفطار،
مبادرات تطوعية،
صلاة،
منشورات،
تنظيم…
جدول ممتلئ.

لكن قلبه لم يكن ممتلئًا بالقدر نفسه.

في اليوم الثاني عشرمن رمضان تلقّى رسالة قصيرة:
“خالتي في العناية المركزة… ادعوا لها.”

توقّف الزمن لحظة.

كانت المرأة التي ربّته حين انشغلت أمه،
التي كانت تخبئ له قطعة الحلوى،
والتي كانت تدعو له باسمه في كل مكالمة.

قال في نفسه:
“سأزورها غدًا.”

لكن الغد لم ينتظره.

في الفجر، جاء الخبر:
رحلت.

جلس طويلًا في صمت.
لم يبكِ فورًا.
كان الشعور أثقل من الدموع.

لم يكن جوعه إلى طعام،
ولا إلى نجاح،
بل إلى دقيقةٍ لم يأخذها.
إلى جلسةٍ لم يعشها.
إلى كلمة “أحبك” لم يقلها.

في صلاة الظهر، سمع الإمام يقرأ:

﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾
(المنافقون: 10)

توقّف عند:
“من قبل أن يأتي.”

قبل.
الكلمة التي تجاهلها طويلًا.

بعض الأمور لا تُعوّض.
ولا تُستدرك.
ولا تُؤجّل.

بعد الدفن، عاد إلى بيته.
جلس إلى جانب أمه دون أن يقول شيئًا.
أمسك يدها فقط.

لم يحتج إلى مناسبة.
ولا إلى خطاب.

أدرك أن أخطر أنواع الجوع
هو جوع اللحظة التي لم نغتنمها.

رمضان ليس فقط شهر امتناع،
بل شهر مبادرة.

اتصل.
زر.
اعتذر.
احتضن.
قل الكلمة الآن.

لأن بعض الأبواب…
إذا أُغلقت،
لا تُفتح مرة أخرى.

وقبل أن يفوت الوقت،
اختر أن تكون حاضرًا.
فالزمن لحظة.

شاركها.
اترك تعليقاً