إنّها تلك الوصمة الّتي وُضعت على جبين أرواحٍ اغتالها القتر فأرهقتهم أضعافاً على ماهم فيه من معاناة ، تلك الوصمة الّتي أُلصقتْ على ظهرِ كل متكبّدٍ عسر، فلكم من جراحٍ نُزفت تحت تلك الوصمة النكراء وأُلبست بقيظها مراسم عزاء تحت جسدٍ بليد، ولكم ظلمت ، ولكم أشكست على وجوهٍ سمحة ، أتحدث هُنا عمّن ألبستهم الدنيا رونقًا من ضيمٍ واختصّتهم بالبلايا العاسرات، إنّهمّ أصحابُ الأمل المتخفي خلف شُبّاك عتيق، والمثابرين بكبدٍ في بحرِ الحياة بمجدايفٍ تُظلّلها روح العزائم ، بين الجنادل والصخور ؛ هناك تمركزَ المناضلين، تحت بصيصٍ من أملٍ ضئيل.

لأصحاب الأمل المناضلين المكابدين ؛ الّذين أفزعتهم الحياة وتركت فيهم ندبةً عارمةً بالفواجع ، والصابرين على ألسنةِ المجتمع الحِداد ، الّذين أُلصقت بأجسادهم تهمًا رغم البراءة، إنهم من تعرّضت حياتهم للصدمات النفسية فاضمحلّت عيونهم من دموع الفرح ، لايعلمون على من يُصابرون ! هل على نظرة المجتمع الأثيمة ؟ أم على رمي التُهمّ جِزافًا بخباثةٍ ذميمة ؟ لماذا عندما تحدث جريمة قتل نسمع بعضهم يُدافع عن صاحبها ويصنع الأعذار ويقول : إنه مريض نفسي ؟ أسلوب بشعٌ استهان بهدر الدماء ! أهكذا تُصان الأرواح ؟ لماذا يُبحث لهؤلاء عن الأعذار رغمّ أنهم تلبسّوا تلك الجرائم بكامل قواهم العقلية والبدنية، وتعمدوا فعل ذلك ، وأرادوا الهروب من شؤم أنفسهم واكتسوا بعباءة الفتك والضرر ، إن هذا العذر البائس سبيل لاستنقاص ضحايا الاعتلال النفسي ، ضحايا المجتمع الواهن بنظرتهِ الناقصة ، إنهمّ يصورون لنا المرضى النفسيين فئةً سقيمةً ، لايُعاشرَون ولايُعانون ! بينمّا لو نراهم بعين الحقيقة والإنصاف لأدركنا أنهم ضحايا من أناسٍ شكيمة ، عانوا ماقد عانوا، فلماذا نزيدُ الطين عليهم بِلة ؟ هم مبرّئون من كل التهم الهائمةِ كالسهام ، والتي ارتكزت في قعرِ صدورهم ، هم لايعرفون كم يكفيهم من الدروع على أجاسدهم العتيقة لِصدّ مايواجهون من لهائبّ . لأصحاب العوارض النفسية ؛ للذين تعرضت قلوبهم لرماحٍ مسننة وأفعالٍ شاكسةٍ مريبة، لقد وصلنا إلى زمنٍ متقدم وعشنا عصرًا جديداً ومازال بعضهم ينظر لكم نظرة ازدراء، فعلامَ ذلك ؟ ومازال هناك أهلاً يهابون من مراجعة أبنائهم لطبيب نفسيّ مختصّ بهذا المجال ؛ طبيبٌ يُراعي حال من أرهقتهُ الدُروب، وضاقت به السبل ، وضاعت لحظات حياته يُجابهُ شيئًا لايراه ، ألا يعلم هؤلاء الأباء أنَّ الروحُ تتعب وتبلى ! لماذا هذا التخوف الشديد من نظرةِ المجتمع ؟ أليسوا هم من ضمن المجتمع أيضًا ؟ هذه النظرة البائسة ألبستهم معاناةً فوق معاناتهم ، واجتاحت أدمغة الأجيال الحالية ، حتى أن بعض من يعمل في المصحّات النفسية عاملهم كالسُجناء وأوصد عليهم الأبواب ومنعهم من التواصل مع عالمهم واندماجهم في مجتمعهم !
تبًا لمن ألصق بهم وصمة العار التي ظلّت تلاحقهم وتُؤرق مضاجعهم بين الفينة والأخرى فأصبحوا يجابهونها متخفّين برداءِ الوهن، وأصبح الناس ينفرون منهم دون سبب مقنع ، ويهابونهم كأنهم عصابة مجرمة ، بينما لو نظرنا لهم بعين العطف والرحمة لوجدنا أنهم ضحايا مكسوفين انقطع فيهم الأمل ، وتراكمت عليهم مواقف عظيمة وغليظة فاقت قدرة عواتقهم ، وأن من أوصلهم لهذا الحال طلقاء عبثوا بأرواحٍ تستحق السعادة والفرح والعيش بهدوء ، ولكن لاندري لعل الله اختصّوا بالبلايا لمحبته لهم واختبارٍ لصبرهم .

ومضة :

ساهموا في تصحيح تلك النظرة القاسية وبدّدوا سخائمِ الوصمة الحمقاء ، ولاتكونوا أنتم والزمن ضدهم ، كونوا كغيمةٍ هلّت فأحسنت الودق، ولا تكسوا الناس وجعًا زائدًا على أوجاعهم ، واتركوا لهم طيب الأثر ، وعطّروا أرواحهم بالسعادة لتنالوا الأجر .

شاركها.
اترك تعليقاً