” ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمماً، ويلعنون مذمماً ، وأنا محمد”
“النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام”

تشكل الطفولة مرحلة التأسيس في حياة الإنسان، وإذا أخذنا مبالغات علماء النفس على محمل التأكيد؛ فإن السنوات العشر الأولى من حياة الفرد قد تحدد مصيره النفسي والسلوكي للأبد. قد يضطرنا ذلك لوضع تفسير لمثل هذه النظرية. وهو أن هناك كثير من البشر ممن وصلوا إلى مراحل متقدمة من العمر وربما تخطوا الخمسين سنة بينما لا يزالون لم يتجاوزوا عتبة حساسية ومشاعر الطفولة..

تتطلب مرحلة الطفولة أن يكون هذا المخلوق الصغير أكثر حساسية واهتماماً بآراء الآخرين ممن حوله لأسباب عديدة.. فهو يولد إلى الدنيا دون تجارب سابقة، وبحالة تمييز ضعيفة ، وغير مدرك لكثير من المخاطر التي تدور حوله . بالتالي لو افترضنا أن الأطفال يولدون دون أي مشاعر اهتمام لآراء الآخرين من حولهم؛ فإننا سنواجه معضلة هائلة في تربيتهم. إن هذه الحساسية الزائدة لدى الطفل وحاجته الملحة للثناء ونيل الإعجاب والمديح وخوفه الشديد من التوبيخ أو فقدان الرضا أو الحب ممن حوله يعد الخيط الرئيس الذي يجعل أطفالنا يحتاجون إلينا بشدة.. مما يضاعف المسؤولية علينا أن نشبع حاجتهم من نيل الإعجاب وألا نبتز عواطفهم وأن نتعامل بحذر في هذه المسألة تحديداً بحكم أنها أهم التكوينات في شخصية الطفل والتي تساعدنا على تربيته وتوجيهه وتعليمه.

أين تحصل المشكلة إذن ؟ تحصل عندما لا تنتهي هذي الحساسية والاهتمام بآراء الآخرين بانتهاء مرحلة الطفولة ، ولذلك فعندما يصبح الطفل مراهقا ويتخطى عمر الثامنة عشر تبدأ ملامح جديدة في تكوين شخصيته، إنه لم يعد يأبه برأي والديه والآخرين من حوله، وأصبح يعتد برأيه وبقناعاته بشكل كبير، ولم يعد يعير آراء الآخرين ذلك الاهتمام الذي كان يشكل هاجسا كبيرا لديه وهو طفل! ولكن ماذا يفعل المجتمع مع هذه الحالة المفاجئة ؟ سواء كان الآباء أو الأمهات أو المدارس أو العالم المحيط بهذا المراهق .. إنهم سيعملون أي شيء لتشكيكه بنفسه وبقدراته وبقناعاته الداخلية ، وسينفذون أي شيء من أجل إعادته لحظيرة الطفولة حيث ينبغي أن يعود مجددا لا يستطيع تقييم نفسه إلا من خلال آراء الآخرين .. فقط لو تركوا هذا الإحساس العظيم عند المراهق باعتزازه بآرائه وأفكاره.. فقط لو تركوه على فطرته فإن الله قد خلقه مهيأ ليتكون التكوين السليم ، ثم يبدأ الخروج من شرنقة الطفولة بما تحمله من حساسية زائدة لآراء الآخرين .. والحقيقة أن من يصل عمره إلى العشرين عاماً وهو لا يزال يقيم نفسه أو يعزز نفسه من خلال المحفزات الخارجية فهو سيؤول إلى السقوط إن عاجلاً أو آجلاً ..

لو قدر لك أن تزور العيادات النفسية، فمن المرجح أنك ستجد أكثر من يعاني الإشكالات النفسية هم أشخاص كانوا ينتظرون نيل إعجاب الآخرين أو كانوا ينتظرون ثقة أقرب الناس لهم في قدراتهم أو كانوا بحاجة ماسة لأن يقدر طرف آخر ( أيا كان الطرف الآخر، زوجة ،عمل، أقارب، والدين، مجتمع) ظروفهم أو الصعوبات التي مروا بها أو النجاحات التي حققوها.. تتحول هذه الحالة من البحث عن المحفز الخارجي إلى حالة مستعصية عند كثير من المشاهير – على سبيل المثال- إنهم على استعداد أن يجوعوا بالأيام والشهور أو يسمحوا بالمناشير أن تقطع تفاصيل وجوههم إنهم سيعرضون أنفسهم للمشارط والتخدير والجراحة المطولة ، من أجل يقرأوا أو يسمعوا تعليق يصف جمالهم الجديد وشكلهم العصري ومن ثم يستميتون من أجل إشباع حاجتهم لتقدير أنفسهم من خلال الآخرين .. وبطبيعة الحال من يعتمد في تحفيز نفسه على المحفزات الخارجية ، فإنه بالتأكيد سيكون أكثر الناس تأثرا وألما فيما لو تعرض لتعليقات ساخرة أو انتقادات لاذعة أو فتور في متابعة الناس له . تظهر لك أمثلة مثل هذه كم من السخف أن تستهلك بسبب ما يعتقد به الناس عنك؟ إن ما يعتقد به الآخرون عنك ليس سوى اعتقاد لا أكثر .. وإن عشت حياتك معتمداً على تحفيز خارجي مماثل ، فلن تستمتع بحياة هانئة أبداً ..

عندما يتعلق الأمر بما يظنه الأشخاص الآخرون، فمن المهم أن تفهم أن آراءهم هي هكذا وحسب ، وليست بالضرورة الأفضل أو حتى الحقيقة ، على الأقل ليست حقيقتك أنت ، إنها ليست بالضرورة سوى حكم أطلقه شخص آخر .. إن الآراء ذات قيمة ضئيلة في حد ذاتها، ولكن ما يصنع الفارق في عالمنا هو ما نفعله إزاءها. عن نفسي تعلمت منذ زمن عندما يتعلق الأمر بآراء الناس أنني أتذكر أنها لا تستطيع إيذائي. ولا يمكنها تدميري، ولا يمكنها أن تنقص من قدري ككائن بشري كرمه الله على هذه الأرض.

هذا يقودنا لمفهوم قلما نجا من سطوته الناس .. وهو مفهوم السمعة ، هناك من تحول لعبد لسمعته، فمن أجل سمعته يحرم نفسه أن يعيش كيفما يرغب أن يعيش دون أن يكون بالطبع مسبباً للضرر لأحد ما.. والسمعة في حقيقتها حالها حال الآراء ، مفهوم خال من المعنى. بل قد تقود في كثير من الأحيان للوقوع في الرياء والنفاق .. إن السمعة وآراء الآخرين هي أمور ليس لي فيها أي تحكم ، وهنا أتذكر العنوان الرائع للكاتبة تيري كول في كتابها ( ما تعتقد به عني هو ليس من شأني ) إنني أوافق هذا الرأي تماماً ، لن أستطيع تقييد آراء الآخرين ، ولن أتمكن من إيقافها وليس لي الحق في التحكم بآراء الآخرين . فلا آبه بشأن سمعتي ، ولست مهتما بها البتة. وبما أنها خارجية ، وموجودة حصراً عند الآخرين فهي لا تتعلق بي حقاً ، ومهما كان ما أفعله ووفق أي مستوى كان سواء كنت في أعلى مكان أو رتبة في هذه الحياة أو كنت شخصا بسيطا جدا لا يكاد يعرفه أحد .. فما يعتقد به الناس عني أمر يتعلق بهم وبمكانهم.

ما أهتم له حقيقة ليست سمعتي ، وإنما الذي أوليه كل اهتمامي هو شخصيتي ، إنها أمر داخلي ، ولطالما أنا المتحكم به. لا يمكنني التحكم بالطريقة التي يراني بها الآخرون، لأنها آراؤهم ولديهم الحق في امتلاكها . مجدداً لا يمكنني التحكم بذلك. والشيء الوحيد الذي يسعني التحكم به هو شخصيتي التي تنبع من أفكاري ومعتقداتي إنها القيم والاحترام والحب والكرم الذي يمكنني أن أزرعه في نفسي وأنميه وأهديه لكل من أقابله في حياتي، وليس سمعتي وما يعتقد الناس عني.

تذكر جيدا هذا الأمر.. كل لحظة تقضيها وأنت تعيس، أو مستاء أو غضبان أو مجروح أو في حالة إحباط بسبب رأي أو سلوك شخص آخر، هي لحظة تخليت فيها عن السيطرة على حياتك. إنها لحظة أشبه بكونك تقول للآخرين ( تفضلوا إلى داخلي وتحكموا بمشاعري وبردود أفعالي.. إنني أبيح لكم تخريب ما تشاؤون في داخلي)
الأفضل الذي يجب عليك أن تعمل عليه عوضا عن ذلك؛ أن تملأ نفسك بالحب والتقدير والاحترام، وأن ترسل ذات الشعور إلى كل الآخرين دون قيد أو شرط.. تذكر دون قيد أو شرط.. بالنسبة إلى أولئك الذين سيتقبلون شعورك بالحب والتقدير، هذا شيء مذهل ورائع، أما بالنسبة إلى الذين لا يتقبلونه فمقدر لهم ببساطة أن يكونوا حيث هم الآن، وهذا أمر لا يعنيك ولن يغير من موقفك أو من اتجاه حياتك الذي رسمته..

شاركها.
اترك تعليقاً